«الاستشراق المعاصر» أحدث الكتب التي تناولت موضوع الاستشراق، وخصوصاً من خلال معطيات ترجمة معاني «القرآن الكريم»، حيث يشير الكاتب د. مصطفى عبدالغني إلى أنه عمد إلى أن يتناول تفصيلياً أحدث ترجمة للمستشرق الفرنسي جاك بيرك. لقد تم ترجمة معاني القرآن لأكثر من عشرين ترجمة بالفرنسية وحدها، كانت أولها على يد القساوسة..

ولأهداف لا تخفى من البحث عن مداخل مناسبة إلى عقول العرب والمسلمين، وإن بدت حديثاً تلك النشاطات الثقافية ضمن جمعيات ومؤسسات مختلفة، فهي تحت متابعة وملاحقة المخابرات في تلك البلدان، ومن هنا تبدو أهمية الترجمة والكتاب. مع العلم أن المسلمين المقيمين في فرنسا يبلغ عددهم عشرة ملايين نسمة.

فيما بدت الرؤية الاستشراقية القديمة أقرب إلى العنصرية وعدم الفهم المناسب لمعاني القرآن. فقد قالوا بتأثر القرآن بالكتب الدينية القديمة «العهد القديم - العهد الجديد»، بل وبالأساطير اليونانية القديمة! وهى رؤية ونزعة استعمارية أو كولونية بالمعنى الفلسفي. وإن راج الاستشراق المعاصر الآن في أميركا بشكل مختلف عن الأوروبي..

حيث ارتبط الأميركي بجملة التوجهات السياسية ولخدمتها، كما في حال مشروع الشرق الأوسط الكبير. وبذلك تحول المترجم المبشر الأوروبي إلى المترجم الخبير الأميركي. وقد نالت تلك القضية الاهتمام، وعقدت من أجلها المؤتمرات، لعل أولها وأهمها انعقد بجامعة القاهرة عام 1995م، حيث كانت أولى توصياته هي: قيام الأقسام المختلفة في الجامعات المصرية بترجمة معاني القرآن، فليس أفضل من المسلم العربي من القيام بتلك المهمة.

عرض الكتاب لتلك الرؤى العامة أو الرأسية لموضوع الاستشراق، وبعد التوقف مع بعض الأسماء الشهيرة من المستشرقين المترجمين لمعاني القرآن، من أمثال: ربيكا وست - فريا ستارك - جيرترودبل - جوناثان رابان وغيرهم.. توقف الكاتب أمام المستشرق جاك بيرك. ويرى المؤلف أن تحول الاستشراق التقليدي إلى استشراق من نوع آخر يمكن أن يسمى في الولايات المتحدة الأميركية اليوم‏ «‏بالاستشراق الجديد‏». ‏وفي الحالتين لم نعثر على المترجم المستشرق ‏«المبشر أو الخبير‏» المنصف في جميع الحالات، خاصة في هذه الترجمات أو الكتابات الجديدة‏.

وإذ كان المستشرق التقليدي قد تحول إلى مبشر‏؛ وتحول الآن إلى «خبير» وعبر معاهد ومؤسسات بحثية حديثة تابعة للإدارات الغربية والإمبريالية، فليس المطلوب هنا تحليل هذا الخطاب لعناصره الأولية وحسب‏، وإنما المطلوب‏ التأكيد على هذا الخطاب السائد‏ وخطورته. لقد نالت ترجمة بيرك لمعاني القرآن الكثير من المدح والقدح معاً، وقال د. إبراهيم عوض إن هذه الترجمة إنجاز علمي متميز عن الترجمات الفرنسية السابقة.

كما هناك ترجمات اعتمدت على الترتيب الزمني للسور، مثل ترجمة بلاشير، وتعمد البعض عرض مقدمة منهجية وتفسير شارح لبعض المفردات، مثل ما فعل أربري وبيرك.

وترجم البعض فصولاً من القرآن، كما فعل السويدي سترستين.ويعد الكتاب من الكتب القليلة التي تثير قضية الاستشراق في بعدها الثقافي المهم.

المؤلف في سطور

 الدكتور مصطفى عبدالغني، كاتب وأديب وصحافي مصري، من مواليد القاهرة، ورئيس القسم الثقافي في جريدة «الأهرام»، حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ 1988م. حائز على جائزة الدولة عام 1997م. من كتبه: «الاتجاه القومي في الرواية»، «قضايا الرواية العربية»، «المسرح المصري في السبعينيات».