يستعرض المؤلفان؛ د. زكريا الدوري ود. يسرا السامرائي تاريخ نشأة المصارف المركزية، إذ يعود تاريخ نشأتها إلى العهد البابلي، حين برزت مجموعة الصيارفة وكهنة المعابد، وبدأت عمليات التسليف والإيداع، إلى أن جاء حمورابي فحدَّد أصول المعاملات المالية والمصرفية، التي تمَّ تثبيتها في مسلته «شريعة حمورابي».
صيغة المصارف
ففي العهد البابلي كانت تنظَّم المعاملات المالية والمصرفية في المعابد مثل: معبد «آنو»، وكان الكهنة يزاولون عملية التسليف، ومعبد «أوروك»، الذي يرجع تاريخه إلى 3400- 3200 ق.م. إلى أن حلَّ الألف الأوَّل ق.م. وفي العهد البابلي ظهرت صيغة المصارف، ومن أهمها: موراشو وهو أحد النبلاء الكبار آنذاك، ومصرف إيناصير، ومصرف إيجيبي.
ومن أهم المعاملات التي كان يقوم بها: أعمال الصفقات العقارية وتجارة الرقيق وتجارة الائتمان. وتطورت المصارف في زمن الفينيقيين، حيث أصبحت للمصارف شهرة واسعة في مجال التجارة مع بلاد فارس والبلاد المطلة على سواحل البحر المتوسط. وشهدت المصارف تطوراً آخر في زمن العهد اليوناني..
حيث اتسعت تلك الأبعاد من العمليات المالية والمصرفية إلى العمليات الحسابية التي تختص بدفتر اليومية وتخصيص صفحات مستقلة لكل زبون يتعامل مصرفياً. وفي مصر وأثناء عهد البطالمة والبطالسة، أضيفت عمليات تسديد المدفوعات وتحصيل المقبوضات المتعلقة بالخزينة.
وأخذت عمليات التسليف مدى متوسط الأمد بعد أن كانت العمليات الائتمانية والسلف مقتصرة على الحسابات قصيرة الأمد. وتقدمت العمليات المصرفية في العهد الروماني، حيث أصبحت الحسابات للودائع شبه مستمرة قابلة للأخذ باستمرار، وهو ما يسمى الآن الحسابات الجارية.
تطور معاملات
اتسع العمل المصرفي ابتداء من القرن الحادي عشر الميلادي، حيث شمل تبديل النقود، إضافة إلى إيداعها وإقراضها. وقد شهدت هذه المصارف في القرن الرابع عشر عمليات السحب على المكشوف. وفي القرنين الخامس والسادس عشر شهدت العمليات المصرفية اتساعاً واضحاً في جميع أنحاء البلاد الأوروبية، ومن أهم هذه المصارف: مصرف «جنوا» ومصرف «نابولي»، الذي اعتمد لأوَّل مرة التعامل بالشيك أو أمر لنقل حامله نوعاً من الأوراق المالية.
وكانت بداية نشوء البنوك المركزية مع تأسيس مصرف السويد عام 1688، ومصرف إنجلترا المركزي في عام 1694، الذي يُعتبر البداية لتأسيس البنوك المركزية في العالم، لكونه أوَّل من مارس مبادئ ووظائف البنوك المركزية التي لا يزال الكثير من وظائفها سارية حتى وقتنا الحاضر.
ومع بداية القرن العشرين قامت الكثير من البلدان بإنشاء بنوك الإصدار، ذلك لمنح الدولة حق إصدار الأوراق المالية إلى مصرف واحد، وكي يسهِّل إشراف الدولة عليه وإزالة حالة الإفراط في الإصدار.
تعاون دولي
وجاء المؤتمر المالي الدولي الذي عقد في بروكسل سنة 1920، فأصدر توصية مفادها أنَّ على كل البلدان التي لم تؤسِّس مصرفاً مركزياً بعدْ أن تبدأ في إنشائه بالسرعة الممكنة، ليس فقط من أجل تسهيل إعادة الاستقرار لعملاتها ونظامها المصرفي، وإنَّما أيضاً من أجل مصلحة التعاون الدولي.
ومــــنذ ذلك الوقت وابتداءً من تأسيــس بنك الاحــتياط لجنوب إفريقيا عام 1921، جرت وبوتيرة عالية عمـــليات تأسيس بنوك مركزية ليس فقط في البلـــدان المستقلة والمتمتِّعة بالحجم الذاتي، التي لم يكن لديها بنوك مركــزية، بل أيضاً في العديد من الدول المستقلة حديثاً، التي حصلت على استقلالها فــي الخمسين سنة الأخيرة. ومع بداية القرن العشرين أخذت البنوك المركزية تلعب الدور الأهم في السياسة المالية والاقتصادية، وتخلَّت تدريجـياً عن الأعمال المصرفية العادية.
ثم يخلص المؤلفان إلى أنَّ جميع البنوك المركزية تؤدي وظائف متشابهة لتحقيق الصالح العام، كما يُعتبر البنك المركزي هو المؤسَّسة النقدية الحكومية التي تهيمن على النظام النقدي والمصرفي للبلد، وتقع على مسؤوليتها عملية إصدار النقد، والعمل وكيلاً مالياً للحكومة ومراقبة الأجهزة المصرفية الأخرى.
المؤلف في سطور
الدكتور زكريا الدوري باحث وأستاذ جامعي أردني، وعميد البحث العلمي والدراسات العليا في جامعة الإسراء، والدكتورة يسرا السامرائي باحثة وأستاذة جامعية.

