يقدم كتاب «علي الجندي/ الأمير الضليل- بودلير العرب» لمعده الدكتور علي القيم: شهادات أهل وأصدقاء وأدباء في الشاعر السوري الراحل علي الجندي (سلميّة 1928- اللاذقيّة 2009) الذي لم يكن رائد الحداثة الشعريّة في سوريّا وحسب، وإنما كان رائداً حتى في حياته العاصفة، وزواجه الدرامي، وتصرفاته المتحررة من أعباء التقاليد، وبؤس المجاملات وزيفها:
كما قال عنه زميله الشاعر علي كنعان الذي التقى به لأول مرة في ربيع عام 1964 وكان يومها طالباً جامعياً مثقلاً بالخجل الريفي، لكنه فاجأه بطيبته وبساطته.
ويؤكد أن صحبة الكأس هي التي جعلت ممدوح عدوان أقرب إليه منه، رغم مساكنهما المتقاربة في دمشق الجديدة، وهو لا يتصور أن الجندي وعدوان غابا عن دمشق ولياليها الأنيسة الدافئة، كما أن صورة حامد بدر خان في إطلالاته الموسميّة الحميمة لا يمكن أن تغيب عن المشهد.
ويرى راسم المدهون أن قوس ذاكرة الجندي الشعريّة، تحيط بالبعيد، فيحتفظ ببودلير جنباً إلى جنب مع إلياس أبو شبكة. أما خليل صويلح فيعتقد أن فوضويّة علي الجندي وضجره من الأضواء، أبعدا شعره عن اهتمامات النقاد، فكُرّس واحداً من أبرز تجارب الستينات. وتحت عنوان «شاعر الحزن النبيل» يقول نذير جعفر: هكذا: هادئاً، وديعاً، مضيئاً، وربما عاتباً.
يمضي علي الجندي بعد صمت طويل، توّج فيه حياته الحافلة شعراً وعشقاً وتمرداً. يمضي والزمن لم يعد زمنه، ولا المكان مكانه، ولا الأصحاب أصحابه. يمضي ملتحفاً بسلالة الحالمين الجميلين: وصفي القرنفلي، محمد الماغوط، محمد عمران، حامد بدر خان، ممدوح عدوان، سعد الله ونوس، هاني الراهب.. الذين عاش معهم الحلم، والحب، والفرح، والانكسار، والخذلان أيضاً!.
عابد إسماعيل يرى أن حياة علي الجندي، قد تكون أقوى من نصه، وأكثر غنى وجاذبيّة. فهو المحاور الظريف، والمتحدث البارع، والسارد المبهر، لكن تبقى لقصيدته نكهة خاصة تتمثل بالتمرد المعرفي، وحتى الفلسفي الذي كاد يفتقد إليه الشعر العربي الحديث. أما خضر الآغا فيؤكد أنه إذا كان الضحك والمجون قناعين لقلب محطم (كما يقول أندريه جيد) فإنه جدير بنا ألا نأخذ مجون علي الجندي على محمل الجد.
فشعره المدمى، ودماره الشخصي، كافيان لفضح ذلك الزيف الماجن، والحياة التي صنعها لتكون، أو لتبدو عبثية على ذلك النحو الباذخ الذي كان عليه، أو التي قدمها للعالم. وتحت عنوان «آخر قرامطة العصر» قال ابنه شرود الجني إنه كان يعرف أن والده علي الجندي ينتظر الرحيل، فقد هجرته الرغبة في الحياة منذ وقت، وهو يرقب بصمت انزواءه المفعم حضوراً جميلاً، وغير ذلك من الشهادات والقصائد.
المؤلف في سطور
د. علي القيم كاتب وباحث سوري له العديد من المؤلفات، وشغل مناصب عديدة منها: مدير متحف الطب والعلوم عند العرب «بيمارستان النوري» في دمشق، والمدير العام للآثار والمتاحف، ومعاون وزير الثقافة، ورئيس تحرير مجلة «المعرفة» السوريّة.
