يتناول كتاب القدس الشريف في الاستشراق اليهودي موضوع القدس في العقيدة اليهودية عامة، والاستشراق اليهودي بصفة خاصة، والذي نشأ منذ القرن الثامن عشر مع إعادة اكتشاف الجماعات اليهودية التي تعيش في أوساط المجتمعات المسلمة، كما تتناول الدراسة تطور السياسات والمخططات الاسرائيلية الحالية لتهويد القدس الشريف، وتقسيم المسجد الأقصى المبارك بين المسلمين واليهود.
ويقول المؤلف: إذا كان العرب والمسلمون يدركون الأخطار التي تتهدد القدس في ظل الاحتلال الاسرائيلي، فإن قليلاً منهم من يتبين مدى تطور تلك التهديدات في المخططات الاسرائيلية لانشغال كثير من المجتمعات العربية والإسلامية بقضاياها الداخلية عقب ما يعرف بالحراك العربي، الذي حجب المتابعة الدقيقة لقضية القدس الشريف والأقصى المبارك وتطور السياسة الاسرائيلية تجاههما.
سياسة التهويد
ويرى المؤلف أن من أخطر تلك التهديدات ما يتعلق بسياسة التهويد غير المسبوقة التي يتعرض لها القدس الشريف، وما يواجه المسجد الأقصى المبارك من الاعتداءات المتكررة لليهود، الذين باتوا يخططون لامتلاكه ونزع ملكيته من المسلمين، والسيطرة عليه تدريجيا، مبتدئين بالدعوة إلى تقسيمه بين المسلمين واليهود، ومنع ترميم مرافقه، وتقييد صلاة المسلمين فيه، والتحكم في دخوله، واستباحة باحاته من المتطرفين اليهود تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، إلى أن بلغ الأمر بحزب البيت اليهودي الاسرائيلي إلى تقديم مشروع قانون يسمح لليهود بالصلاة في المسجد الأقصى.
لكن الأخطر في محاولات تثبيت الوجود اليهودي في المسجد الأقصى ما شهدته السنوات الأخيرة من تمكن الجماعات اليهودية المنادية ببناء المعبد أو الهيكل مكان المسجد الأقصى من الوصول إلى مواقع متقدمة في الحكومة والكنيست الإسرائيليين، والتأثير في دوائر صنع القرار الاسرائيلي وتنفيذه، وذلك بصورة أقوى مما كان عليه الأمر في ما مضى من تاريخ هذا الكيان الاستيطاني.
فهذه الجماعات اليهودية المتطرفة تسعى في البداية إلى استصدار قانون يقضي بتقسيم الأقصى بشكل يخصص فيه تسع ساعات لصلاة اليهود مقابل تسع ساعات لصلاة المسلمين يوميا، وإغلاق المسجد أمام أتباع كل ديانة في أعياد الديانة الأخرى، وهو ما يخشى معه أن يكون لجوء الشرطة الاسرائيلية إلى إغلاق المسجد أمام اليهود في الأعياد والمناسبات الإسلامية، مثل ذكرى الإسراء والمعراج أو خلال شهر رمضان المبارك وعيد الفطر، تمهيدا لبناء شرعية حرمان المسلمين من الدخول إلى المسجد مستقبلا في أعياد ومناسبات اليهود أيضاً.
إعمار القدس
وبالنسبة للجهود المبذولة من العرب والمسلمين للحفاظ على الطابع الإسلامي للقدس وصيانة الأقصى، يرى المؤلف أنها ستبقى محدودة في حال اقتصارها على البعد الوجداني والمعنوي، وفي حال غياب تعبئة كافة الفعاليات والمؤسسات الثقافية والسياسية والمادية المؤثرة، ودون إشراك المجتمع المدني العربي الإسلامي، والمسيحي أيضاً، لدعم القدس والمقدسيين، ضمن خطة محكمة متكاملة مع العمل السياسي والدبلوماسي الرسمي.
فخلافاً لما يدعيه الاستشراق اليهودي، لم ينقطع اهتمام المسلمين بالقدس الشريف منذ عصر النبوة إلى اليوم، وكان المسلمون دائما حريصين على إعمار بيت المقدس والذود عنه.
ولذلك، فإن هذا التعلق بالقدس الشريف والاهتمام بالأقصى المبارك عبر التاريخ لدى المسلمين ينبغي، بحسب المؤلف، مضاعفته وتفعيله اليوم، شرعياً ووجدانياً ومادياً، لأن ما أضحى يواجهه الأقصى من خطر حقيقي مريع يستوجب تحركاً فاعلاً مبنياً على موقف حازم من الأمة.
الدراسة تعرض ما تواجهه مدينة القدس من محاولات عزلها عن محيطها العربي الفلسطيني عن طريق الاحتلال والاستيطان، وطمس طابعها الإسلامي، وإنكار مكانتها الدينية عند المسلمين، وتدعو إلى خوض معركة القدس أيضاً على الجبهة العلمية والفكرية للتصدي لمزاعم وادعاءات الاستشراق اليهودي بصفة خاصة، والاستشراق الغربي المتأثر بالفكر الصهيوني بصفة عامة.
المؤلف في سطور
محمد رضوان باحث مغربي، حاصل على دكتوراه الدولة في العلوم السياسية من جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء المغربية، يعمل بوكالة الأنباء المغربية، له إصدارات منها: «منازعات الحدود في العالم العربي»، «المبادئ العامة للقانون الدولي الإنساني والعدالة الدولية»، و«أوهام الغرب عن الإسلام»

