إن كتاب «هجرة الأدباء الشوام إلى مصر في القرنين التاسع عشر والعشرين»، هو في الأساس محاضرة ألقاها وديع فلسطين في دار الندوة في بيروت عام 2011، بدعوة من دار «نلسن» للنشر ومؤسسة سعادة للثقافة، قدّم للكتاب الناشر سليمان بختي والأديبة سلمى مرشاق.

ويتوزع نص المحاضرة على عناوين خمسة، يتناول فيها حكايات وطرفاً وأخباراً، شاء ألاّ يبقيها طيّ الذاكرة عن أدباء وشعراء ومثقفين أثروا العربية بإبداعاتهم، فكانت له وقفات خاطفة عند شاعر القطرين خليل مطران ومي زيادة والبير أديب وسعيد تقي الدين وأمين نخلة.

يعرض المؤلف لما رافق نسبه ُمن التباسات انطلت على كثيرين، فبسبب اسمه، الذي لا يوحي بأنه ينتمي الى الصعيد الجغرافي في مصر، توهّم الناس انّه من إحدى قرى فلسطين، وكانت له حول ذلك دفوعاً وتوضيحات لم تكن لتعبر إلا وقد أشبعها تأويلات، لاتُخفي ما كانت تُجيده روحه من خفّة ودعابة.

وما زاد في الاعتقاد انه من شوام مصر، وجوده في أوقيانس من الشوام حسب تعبيره من استاذه فؤاد صرّوف، الذي مهّد الطريق له ليعمل في جريدة «الأهرام»، وليلفي نفسه هناك بين العديد من الشّاميين، وتتكرّر الصدفة نفسها عندما عمل في دار «المقتطف» و«المقطّم» كواحد من المحررين.

ويروي وديع فلسطين بعضاً من ذكرياته مع خليل مطران، وكان هذا الأخير قد أنهكه المرض، لكنّه لم يتضجّر أو يشكو، راضياً ومعزّياً نفسه بأن هذه هي إرادة السماء، فحدث أن زاره مطمئناً إلى صحته، ناقلاً عنه كثرة ترداده لبيتين من الشعر هما:

ولي كبدٌ مقروحة من يبيعني بها

كبداً ليست بذاتِ قروح

أباها عليّ الناس، لا يشترونها

فمن يشتري ذا علة بصحيح

 

ويكشف المؤلف في الفصل الذي تناول فيه الأديبة مي زيادة، عن حزمة أسرار أحاقت بسيرتها، التي انطوى بعض حكاياتها بموتها، ولتتحول لاحقاً إلى اجتهادات وتأويلات لا يمكن الجزم بما تداولته حول غرمياتها تحديداً، فهي لم تصرح أو تعلن لا قولاً ولا كتابة عمن استأثر بقلبها، والشبهات حول كثيرين ممن كانت تستضيفهم في صالونها الأدبي لا تزال في إطار التكهنات لا غير.

وينفي المؤلف وصم مي بالجنون كما حلا لكثيرين الاعتقاد، فما عانت منه لم يكن في حقيقة الأمر مرضاً عقلياً بل كان نوبة من نوبات اليأس العارضة وهذا لم يمنعها من الاستمرار في احياء صالونها الأدبي أسبوعياً، ومن متابعة أنشطتها الثقافية.

ويلفت الى ما تعرضت له مي من ظلم وافتراء ألحقاه بها مقربون لها طمعاً بثرواتها فاختلقوا لها تهمة الجنون، واستدرجوها لاحقاً إلى لبنان وزجوها في مستشفى للأمراض العقلية، وقد احتاجت مي إلى وقت غير قصير لتتعافى من محنتها وتعود إلى سويتها.

وتحت عنوان «كيكي يا كيكي» ينقل المؤلف بعضاً من ذكرياته عندما كان محرراً في جريدة «المقطّم» المصرية، حيث نشر نتفاً من محاضرة، كان قد ألقاها خليل ثابت في النادي الشرقي في مصر، أثار فيها ما خلص إليه الخبير الاقتصادي البلجيكي فان زيلد، الذي استدعته الحكومة اللبنانية لدراسة الوضع الاقتصادي في لبنان من انه دولة مفلسة تماماً، ليستدرك قائلاً؛ لكنّ الرخاء السائد يتعارض مع حالة الإفلاس التي أوردتها التقارير الرسمية.

ويُدرج الكاتب ما علق في ذاكرته من ذلك العهد الضارب في القدم، وذكرياته في دار «المقطم» و«المقتطف» ومجلة «الدبور».

المؤلف في سطور

 

ولد وديع فلسطين في صعيد مصر عام 1923، عمل في أمهات الصحف والمجلات العربية، اشتغل مدرساً لعلوم الصحافة في الجامعة الأميركية في مصر على مدى عشر سنوات، كما عمل في التأليف والترجمة وصدر له أكثر من 40 كتاباً منها «قضايا الفكر في الأدب المعاصر»، و«مختارات في الشعر المعاصر».

 

الكتاب:

هجرة الأدباء الشوام إلى مصر

تأليف:

وديع فلسطين

الناشر:

دار نلسن - بيروت -2014

الصفحات:

69 صفحة

القطع:

المتوسط