يمكن لنا أن نردّ مرجعية ومواقف عبد الرحمن الكواكبي في كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»، إلى انفتاح زمنه على فكر عصر النهضة، ما ترك أثره في فكر الكواكبي ثقافة وسلوكاً، ثم إنّه تأثر بكتاب الفيلسوف الإيطالي فتوريو ألفييري، وعنوانه «مقالات في الاستبداد» صدر عام 1777 م.

لقد عالج الكواكبي جملة من الموضوعات والتناقضات التي عرفها مجتمعه، منها ما يتعلّق بالاستبداد، ومنها ما يتعلّق بالاستعباد، والاستبداد أصل أدواء الأمة، إذ ترك بصماته على كل شيء في الحياة، وفق ما قاله الكواكبي: «الاستبداد أعظم بلاء لأنه وباء دائم بالفتن، وخوف يقطع القلوب، وظلام يعمي الأبصار، وألم لا يفتر، وصائل لا يرحم، وقصة لا تنتهي».

عصر التنوير

الكواكبي لا يقلّ شأناً عن أرباب الإصلاح والتنوير في عصر النهضة، وهو ما وجدناه عند ساطع الحصري، وفرنسيس مراش، وشبلي شميل، ورشيد رضا، والأفغاني، ومحمد عبده وغيرهم، ولا يمكن للأمة النهوض إلا بالتخلص من الاستبداد السياسي، ما يعني إشاعة الحرية والديمقراطية المؤسسة على مبدأ الشورى، وتبني منهج الانفتاح على الديمقراطية والعلم والالتزام بالقانون.

حياة الإنسان في جوهرها، هي مواطنة مرتبطة بالقيم والفضائل، وأولها الحرية، وكذا هو الوطن، وسبيل الحرية اعتماد الشورى الدستورية منطلقاً ومنهجاً، ولا بدّ للحكومة من قانون تسير عليه، ويشرف عليه الشعب.

فالحرية قدس الأقداس، ومنذ أن ولدت الناس أمهاتهم حتى مفارقتهم هواء وطنهم يجب أن يكونوا أحراراً، ولا يجوز سلب الحرية بالاستبداد والعبودية، لأن الشرائع والقوانين وناموس الحياة قد كفلتها، لهذا فإن انتهاك الحرية بالاستبداد السياسي انتهاك لحق الحياة الكريمة، والموت خير للمستعبد الذليل من حياته المقهورة.

إرادة

إنّ اختيار الحاكم والحكومة يتم بإرادة المواطنين، ويمكن استبدال أي حاكم لا يعمل لمصلحة الناس، واستبداد الجاهل من أبشع أنواع الاستبداد، لأنه يسيطر على العقل وعلى النفس فيعطل ملكاتها، ولهذا لا بدّ من ربط العمل بالعلم.

وعلى العوام ألا يكونوا أداة بيد المستبد الجاهل بوصفهم «قوّة المستبد وقُوْته»، فـ«المستبد يخاف من العلماء العاملين الراشدين والمرشدين لا من العلماء والمنافقين»، ولأن المال يسخر بيد المستبد لمزيد من الاستبداد، يقول الكواكبي: «الاستبداد لو كان رجلاً وأراد أن يحتسب وينتسب لقال: أنا الشر.

وأبي الظلم وأمي الإساءة وأخي الغدر وأختي المسكنة، وعمي الضر، وخالي الذلّ، وابني الفقر وبنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة ووطني الخراب، أمّا ديني وشرفي وحياتي، فالمال المال المال، ولأن الاستبداد يحرص على قتل الإنسان، فإنه يتفنن في الظلم، والاستبداد يفسد الأخلاق فيضعفها ويمحوها».

التغيير يبدأ بالذات، ولا بد من مواجهة الظلم والاستبداد، فالإرادة عند الكواكبي «أم ناموس الأخلاق»، فما قتل الأمّة كالاستبداد: أياً كان نوعه وقدمه وطبيعته ووظائفه وأسبابه وأدواته.

والأمة تمثل مجموعة من أبناء الشعب، بينهم روابط دين أو جنس أو لغة، ووطن وحقوق مشتركة، وجامعة سياسية اختيارية، لكل فرد حقّ إشهار رأيه فيها، والحكومة هي، وكالة تقام بإرادة الأمة لأجل إدارة شؤونها المشتركة العمومية. إنه يؤكد الكرامة الإنسانية العاملة على حفظ الوجود والمميز بالمعرفة الراقية، والقادرة على حقّ الاختيار وترسيخ الوعي بقيم الحقّ للخير والجمال.

الكتاب يعرض لفلسفة الكواكبي في الفكر السياسي والاجتماعي في تمهيد وتسعة أبحاث؛ «ما هو الاستبداد، الاستبداد والدين، الاستبداد والعلم، الاستبداد والمجد، الاستبداد والمال، الاستبداد والأخلاق، الاستبداد والتربية، الاستبداد والترقي، الاستبداد والتخلص منه».

ويتم التخلص من الاستبداد بالطرق التالية: فالأمة التي لا تشعر كلّها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية، والاستبداد لا يقاوم بالشدة، إنما يقاوم باللين والتدريج، ويجب قبل مقاومة الاستبداد تهيئة ماذا يستبدل به الاستبداد .

وهذه قواعد رفع الاستبداد وهي قواعد تبعد آمال الإسراء، وقسرّ المستبدين، لأن ظاهرها يؤمنهم على استبدادهم، ولهذا أذكر المستبدين بما أنذرهم به ألفييري المشهور حيث قال: «لا يفرحن المستبد بعظيم قوته ومزيد احتياطه فكم من جبّار عنيد جنْدلُهُ مظلوم صغير، وإني أقول: كم من جبار قهار أخذه الله عزيز منتقم».

المؤلف في سطور

 

عبد الرحمن الكواكبي ولد عام 1854 م في حلب، تلقى علومه فيها على أيدي مشاهير من علمائها، عمل في الصحافة والمحاماة والتجارة، وتعرض للاضطهاد والسجن وصودرت أملاكه وأمواله فهاجر عام 1900، حيث طاف في الجزيرة العربية وشرقي أفريقيا والهند والشرق الأقصى، ثم استقر في مصر، ألّف عدّة كتب منها: «طبائع الاستبداد» و«أم القرى»، كما ألّف «العظمة لله» و«صحائف قريش»، توفي في القاهرة عام 1902، حيث دفن فيها.