يصدرُ كتاب محمد منصور «دمشق تذكارات أموية» في وقت ٍ تشهدُ فيه عاصمة الأمويين مخاطر داهمة تُهدد معالمها التراثية، حيث الحربُ أتت على بعضها، هدماً وتخريبا ًوتشويهاً.
وكأننا بالكاتب يستعجلُ إصدار مؤلفه قبل أن تقضي الحرب الدائرة رحاها على أرض الشام على ما تبقى من تذكارات تلك المدينة، التي تعودُ إلى ماضٍ بعيد. وها هو يوثق ويفصل تاريخها المجيد، وما حمله من كنوز حضارية وتراثية، جعلتها تتربعُ على خارطة العالم السياحية.
يجمع الكتابُ بين السرد التاريخي والانطباعي، فالمؤلف لا يكتفي بإيراد ما تكشفه عشرات المراجع، التي استند عليها في بحثه من معلومات ووثائق ومدونات، فيسقطها جاهزة في متن كتابه، وحسبه من إبراز التناقضات والتباينات والسجالات بين الأدباء والشعراء حول حكم الأمويين لدمشق إغناء بحثه وإعطائه بعداً موضوعياً وشمولياً.
يضاف إلى ذلك الانسياب السردي، الذي يُقوم في أنحاء منه على التسجيل الشخصي، الحي، مستفيداً من تجربة الكاتب ومعايشته تحولات هذه المدينة، فيحضر التاريخ بأبهى صوره، مرفقاً بقصص وحكايات ونوادر، تكشف عن غنى هذه المدينة وتنوعها وتقاليد أهلها وعراقتها.
ويُضمّن الباحث الباب الأول من كتابه «قرأت مجدكِ في الكتب» فيضاً من الوثائق والمعلومات، التي استقاها من بطون الكتب الوفيرة التي تناولت تاريخ دمشق، وتراثها الموغل في القدم، في مسعى لتوثيق تكوين المدينة التاريخي والجغرافي ومختلف مظاهرها الاجتماعية والعمرانية والجمالية.
ويُبرز في الباب الثاني «معالم وتذ كارات أموية» توثيقاً تاريخياً لأهم منجزات الحضارة الأموية، فيصطفي من بينها الجامع الأموي، الذي اعتبره من أعظم التذكارات الأموية في دمشق منذ ما يزيد على ثلاثة عشر قرناً.
ويسهب الباحث في استرجاع ذكرياته الخاصة وعلاقته بهذه العمارة التراثية، ثم يترك لكاميرته التسجيلية، إن صح المجاز هنا، أن تنقل للقارئ الانطباعات، التي دونها المؤرخون والرحالة عن هذا الجامع، أمثال ياقوت الحموي، وابن جبير الأندلسي الذي اعتبره، أول نجاح معماري بارز للحضارة الإسلامية.
ويتوقف الباحث في ما تبقى من صفحات الباب الثاني من كتابه، على إنجاز حضاري آخر هو جامع «يلبغا»، نسبة إلى بانيه الأمير المملوكي سيف الدين يلبغا اليحياوي الناصري، منتقداً تحويل اسمه إلى مجمّع الشهيد باسل الأسد، بعد مقتل الابن الأكبر للرئيس الراحل حافظ الأسد في حادث مطلع العام 1994.
وإلى المساجد، يذكر الباحث من معالم ذلك العهد الزاهر القصور، التي تحوّلت رسماً دارساً نتيجة الحروب والحرائق وتقلبات العهود السياسية، فينقل عن كُتب المؤرخين بعض ملامحها ونسبها ومواصفاتها.
وتحت عنوان «معالم وتذكارات معاصرة» يورد في الباب الأخير من كتابه ثبتاً بمعالم دمشق الحضارية، بدءاً من أسواقها التجارية، كما يصف الطقوس الاجتماعية والثقافية والعمرانية للحمامات الدمشقية.
المؤلف في سطور
محمد منصور كاتب وصحافي وإعلامي سوري من مواليد دمشق 1970 حائز على إجازة في النقد والأدب المسرحي، عمل معداً لبرامج تلفزيونية وأخرج عشرات الأفلام الوثائقية.
