يبحث الناقد المغربي الدكتور يوسف إسماعيل في نص »كليلة ودمنة« لابن المقفَّع باعتباره نصاً إنسانياً وإشكالياً وتأويلياً، ويعتبر أنَّ التناول الهيكلي لبيان بيدبا يكشف عن انتمائه إلى مجموع الحكايات التي تدخل في إطار التفريغ الحكائي، كما في »ألف ليلة وليلة«، وبذلك نكون أمام نص له صورة كلية متكوِّنة من مجموع الحكايات، وله صور فرعية متكوِّنة من كل حكاية مفردة في الوقت نفسه.

وقد تختلف هذه الحكايات الفرعية عن الحكاية الإطار من ناحية النمط، مثل الحكايات العجيبة وحكايات »الشطار« والحكايات الخرافية، ولكنَّها تساعد الحكاية الإطار من خلال الوظيفة المرجوة منها، إن كانت تعليلية أو تفسيرية، وبذا يكون التفرع الحكائي تحققاً مصغراً، ليفسح من خلالها المجال للتعددي الدلالي وتوالد الأفكار والمضامين.

صراع فلسفي

ثمَّ يبيِّن المؤلف سبب كتابة ابن المقفع لكليلة ودمنة، بأنَّه بعد أن غزا »الإسكندر« الهند، وعَيَّن حاكماً عليها من حاشيته ورحل ثار الهنود على الحاكم وعزلوه، وعينوا حاكماً مكانه من أحد أبناء ملوكهم هو (دبشليم)، ولما استوثق الأمر لدبشليم طغى وبغى وتجبَّر وتكبَّر، وجعل يغزو من حوله من الملوك، واستصغر أمر الرعية وأساء السيرة فيهم، ولم يأخذ بسيرة أجداده الحسنة في سياسة الرعية وإصلاح شأنها، على الرغم من أنَّه لم يرتقِ العرش إلا لصلة نسبه بأسلافه الملوك، وهو بهذا السلوك في سياسة الرعية يتنكَّر لأمرين: الأمر الأوَّل هو الرعية التي وثقت به وعيَّنته ملكاً عليها، والأمر الثاني هو سياسة أجداده في حسن تصرفها مع الرعية.

أي أنَّه فقد شرعية جلوسه على كرسي السلطة، مما خلق توتراً في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، أساسه الافتقار إلى العدل في الحكم وبروز الجور والاستبداد، فطفت على السطح قضية قديمة ومعاصرة في الوقت ذاته، وهي الصراع بين الحاكم والمحكوم ومتطلبات طرفي الصراع.

يمثل الطرف الأوَّل الملك دبشليم على رأس السلطة بجهازه السلطوي والمحرَّمات التي يؤطِّر بها نفسه ضد الرعية، ويقود الطرف الثاني المثقف والحكيم والفيلسوف بيدبا.

خطاب

يبدأ بيدبا خطابه المباشر لدبشليم الملك بكلام الحكمة باعتبارها توجد الروية، وهي مطلب بيدبا من الملك في اللحظة الراهنة لكي يتم الإصغاء من قبل الملك وينجز بيدبا مهمته. ولكن بيدبا لا يبقى في إطار المنجز من الكلام اللفظي، بل يتقدم خطوة أخرى في خطابه المباشر الممزوج بالدعاء للملك ببقاء ملكه، وهذا علامة غير مباشرة على أنه لا يطلب زواله بل بقاءه وصلاحه.

ثم ينتقل مباشرة إلى جوهر مطلبه، ولكن من خلال استرجاع ذكرى أجداد الملك دبشليم مما لا يفسح المجال لدبشليم بالإنكار أو الغضب فهو ذمٌّ في صيغة مدح: (أيها الملك إنَّك في منزلة آبائك وأجدادك من الجبابرة الذين أسَّسوا، ومهَّدوا وبنوا واستكثروا وعاشوا الدهور في الغبطة والسرور، فلم يمنعهم ذلك: »من استعمال الإحسان إلى من خُوَّلوه، والرفقة بمن ولُّوه وحسن السيرة فيما تقلدوا«.

نلاحظ في كل متوالية وظيفية أنَّ بيدبا يؤكِّد في خطابه على الجدل، مما يستثير في نفس دبشليم الرغبة في التماهي بالأجداد، مطلباً للملك والرعية في الوقت نفسه، ما يعني أنَّ في بيان بيدبا للملك تحريض على عمل العقل والحوار، وتركيز على دور الكلمة، ودور المثقف والحكيم والفيلسوف في مجتمعه.

لتصبح تلك الصورة الكلية في البيان هي الأولى، ومهما أبدت الصورة البيانية الظاهرية من تمويه، فإنَّ بيدبا بذلك هو الذي قاده إلى المخاطرة بحياته، وهو الذي أفضى إلى فكرة التــــماثل المتكافئ بين طرفي الصراع.

ثم يختم المؤلف بأن النص »كليلة و دمنة« يحيلنا إلى بيان إصلاحي سياسي واجتماعي تضافرت عناصر تكوينه، تنظيراً وإنجازاً، على مستوى الحكي/السرد، وعلى مستوى الخطاب صوتاً ورؤية، ويشير المؤلف إلى بعض الملاحظات على النص من مثل التخلي عن محاولة تأصيل النص »المتن الحكائي«، وأنَّ مبدعه هو ابن المقفَّع وأصوله معاً، دفعاً لما يمكن أن يجرَّنا إلى نقاش عقيم حول النص والمؤلِّف، بدلاً من حوار النص ذاته في بنياته ودلالاته وإبدالاته وصوته الصارخ.

 ووضع النص بكليته دون تجزيء يشوِّه مدلولاته، ويبتر خواصه البنائية والدلالية، مما يحيله إلى مجموعة نصوص منفصلة عن سياقها النصي العام، وإدراك خاصيته البنائية المعقدة، وقراءتها بوصفها إشارات تحتاج إلى تأويل، للوصول إلى حدود النص المتجاذب بين الإيهام المقصود والحقيقة المضمَّنة، وبذلك نستطيع أن نرى نصاً جديداً ومغرياً ومحفزاً لسماته الثلاث: الإنسانية والإشكالية والتأويلية.

المؤلف في سطور

 

الدكتور يوسف إسماعيل كاتب وباحث، له مجموعة من الدراسات الأدبية والاجتماعية، كما له مساهمات بحثية جادة في مجال النقد.