عبر عشرين فصلاً، تناول كتاب »حكمة العروبة« لمؤلفه الدكتور عفيف البهنسي كل ما يتعلق بنشأة العروبة وماهيتها وتاريخها وعلاقتها بكل من: الثقافة، التراث، الفكر، الفلسفة، الدين، الاقتصاد، الإعمار، العقل، اللغة، الجمال، الحداثة والمستقبل.
ويُفرّق الكتاب في بدايته بين كلمة »الأعراب«، التي تعني سكان البادية، وكلمة »عرب« التي تعني سكان المدن الحضر.
ويشير إلى أن الأرض العربيّة هي جزء من الكون، والإنسان العربي وحدة اجتماعيّة جزئيّة من العالم، وأن الغرب كان وما زال بعيداً عن فهمه وفهم الحضارة التي أنجزها، إذ تختلف آراء المستشرقين في توصيف الفكر العربي. فمنهم من يرى أنه غير قادر على التركيب والتجديد »كما يقول رينان«، وآخرون يرونه نوعاً من تركيب أرسطي ـ أفلاطوني.
تجديد تراثي
ويرى الكتاب أن العصر الذي يعيشه العالم المتقدم اليوم ليس عصر السياسة كما يبدو لنا من خلال الإعلام، بل هو عصر الثقافة التي تستمد قوتها من التراث والمعاصرة، وبهذه القوة يستطيع الإنسان التغيير والتجديد والتفاعل مع الآخر. والتراث كما يراه الكتاب يشمل جميع ما أنتجه الإنسان عبر التاريخ، وكان عاملاً في تحديد ملامح ثقافته ومفهومه للقيم الروحيّة والإنسانيّة والماديّة.
ويرى أن اللغة العربيّة ما زالت المقياس الأول للهويّة القوميّة، لما تتمتع به من بلاغة شكّلت عبقريّة العرب الإبداعيّة، وللتأكد من هذه العبقريّة، يكفي المقارنة بين ما يُسمى بالعصر الجاهلي والعصور التي جاءت من بعده، حيث ظهرت النزعة العلمانيّة منذ عصر التنوير، فحل العقل محل العاطفة، والعلم محل السحر، ثم تبلورت كجوهر لمفهوم الحداثة.
منهج قومي
ويؤكد الكتاب أنه لدراسة ثقافة العروبة لا بد من الكشف عن المنطلقات الفكريّة الأساسيّة ودراسة تحولاتها، أما ظهور ثقافة العروبة كمنهج قومي، فيعود إلى نهاية القرن التاسع عشر، وتجلى هذا الظهور في محاور ثلاثة، هي: العقل الذي يعتمد الحكمة ورفض الخرافة والمعجزات، واللغة العربيّة التي تحقق وحدة الناس التاريخيّة، على اختلاف آدابهم ومذاهبهم وأصولهم.
ثم الراية والعلم كرمز للانتماء الوطني والقومي: انتماءً عقائدياً ووجدانياً وسياسياً، لكن بالمقابل فإن »العولمة« هي قدر الناس جميعاً، وليست استراتيجيّة مرحليّة مؤقتة تسعى إلى هدف محدود.
فالعولمة هي البشر من حيث كونهم عالماً، وقد توضح هذا المبدأ الإنساني إسلامياً في تقوية أواصر البشر على اختلاف أجناسهم، مع التأكيد على أفضليّة احترام حقوق الآخرين، واتقاء الإساءة إليهم.
والبشر في العالم متساوون أصلاً بإنسانيتهم، متقاربون في أهدافهم، يشعرون بوجودهم من خلال تفاعلهم وتبادلهم، والإنسان من أي جنس كان، مركّب من الخير والشر.
ومنذ بداية هذا القرن، كان الانفتاح على الثقافة العالميّة مُبرراً، إذ كان لابد أن نغذي ثقافتا الناشئة بمعطيات الثقافة العالميّة المعاصرة التي تقوّت بسرعة خارقة، ولكننا عندما وقفنا أمام هذه التيارات الثقافيّة الغربيّة الجامحة، وقفنا عراة مجردين من أي ثقافة قوميّة صحيحة، لهذا استطاعت الثقافة الوافدة أن تحتل أماكن بارزة في ثقافتنا الجديدة.
هيمنة وأفكار
وفي موضوع القطب الواحد ، يُشير الكتاب إلى أن أميركا أقوى دولة في العالم، وأن هذه القوة في السلاح والاقتصاد تفرض نظاماً اقتصادياً أمبريالياً تسيطر فيه الولايات المتحدة الأميركيّة على العالم، ونستطيع إطلاق مصطلح »الأمركة« على هذا النظام الذي قام على زيادة القوة الاستهلاكيّة في العالم.
وفي الوقت الذي استطاعت فيه الدول العربيّة التحرر من الهيمنة الأوروبيّة القاسية التي تمثلت بالاستعمار أو الانتداب، استيقظت على ثروات ماديّة ضخمة سقطت في حبال الهيمنة الأميركيّة التي تقود سياسة النفط العالمي، وانساقت الدول العربيّة مرغمة، وبخاصة في غياب القطب الآخر، للتحالف سياسياً مع أميركا خشية بطشها، ولكنها لم تستفد من هذا التحالف إلا في الإذعان والاعتراف بإسرائيل وتبرير عدوانها على أراضي لبنانيّة وسوريّة وفلسطينيّة بعد حرب مدبرة مع أميركا.
وهكذا تحررت العروبة من الاحتلال السياسي والعسكري، لكنها لم تتحرر من الاحتلال الثقافي. هذا الاحتلال الكامن في أكثر أجهزتنا الثقافيّة، والموظف توظيفاً حصيناً لأغراض البدع الاستهلاكيّة الثقافيّة، ووسائل الاتصال والإعلام المركزيّة، وليس من السهل التحرر من الاحتلال الثقافي، لتداخل الحاجة بالوسيلة.
فنحن بحاجة إلى التقانة، ولكن وراءها سياسة إمبرياليّة واستعماريّة، ما يتطلب تحصين العروبة من أي غزو، وهي مهمة التخطيط الثقافي المستقبلي، ولابد من أن يكون الهدف إحلال الحوار محل التبعيّة، فنحن لا نغلق أبوابنا دون الحوار، بل نغلقها دون الغزو الذي يتحكم فينا عندما نكون مجزأين متخلفين.
وعناصر الأمن الثقافي تكمن في توطيد الوحدة الثقافيّة، والهوية القوميّة، والفكر العربي، وإفساح المجال للإبداع وتكريمه، وتقوية وتوسيع جبهة الحوار الثقافي المتكافئ مع العالم.المؤلف في سطور
الدكتور عفيف البهنسي باحث سوري متخصص بالدراسات الجماليّة المتعلقة بالفنون التشكيليّة والعمارة والآثار، مارس فن التصوير والنحت، وشغل منصب المدير العام للآثار والمتاحف في سوريّا، له ما يربو على سبعين كتاباً منشوراً، بعضها باللغة الفرنسيّة والإنجليزيّة.
