يقارب الدكتور ميشال سعادة مجموعة الشاعرة اللبنانية نسرين الأشقر برباري، بعدة لغوية خاصة، هي نتاج ما حصله من ثقافة نقدية صارمة، محاذراً السقوط في الاستسهال والاستخفاف والصياغات الإنشائية، التي يعوّل عليها متطفلو النقد، وتحديداً النقد، الذي تُطالعنا به الصفحات الثقافية والدوريات الأدبية، والقائم بمعظمه على الشرح والتوضيح والتقييم الشخصي، فيرتفع نصٌ شعري عند البعض وينحدر عند البعض الآخر، وفي الحالين فإن النص لم يخضع لمعايير نقدية بقدر انصياعه لأمزجة وأهواء وأذواق كاتبيه.

ويرى الناقد أن قصائد الشاعرة نسيجٌ من أسئلة تمزج بين الميتافيزقيا والحسي، عليهما تقوم بنيتها. أسئلة مفتوحة، لا أفق لها، يحاول أجوبة عنها، وهي في الأعم شذرات تستفيد من مخزونه الفكري والفلسفي.

ويرى الكاتب أن قصائد الديوان التي تفوق الستين، تشكل قصيدة واحدة، محكومة بوحدة عضوية، تتخذ من السؤالين التاليين: »من نحن ؟ ولم نحن ؟« محوراً لهاً، وهذا ما دفعه إلى عنونة كتابه: »الشاعرة نسرين الأشقر في دائرة السؤال«. هذان السؤالان يطرحان بعداً وجودياً، قرأ الناقد على ضوئهما نصوص المجموعة وعمل على تأويلها، ملاحقاً جمالياتها الشعرية.

وفي محاولة لاكتشاف الدلالات المعجمية التي نسجت نصها الشعري، يتقصى المخزون الصرفي والمعجمي، مُحدداً عوالم الجسد والطبيعة وعناصرها والمشتقات والأفعال وصيغها. ويُعيد المؤلف قلة النعوت في كتابها إلى عزوف الشاعرة عن الزخرفة والتنميق والتطريز، وعدم ميلها إلى الكلمات الرنانة.

يتقصّى الناقد مدلولات القصيدة، بعد أن يستفيد إشاراته إلى محتواها المعجمي واللغوي، محاولاً عبر الاستطرادات الفلسفية والفكرية توثيق قصائد المجموعة والاهتداء إلى دلالاتها وأبعادها الرمزية، ولا يتم له ذلك إلاّ بعد أن يخرج بشواهد تدعم آلية القراءة النقدية، التي يتبعها.

وإذا كانت الشاعرة كما يقول الناقد ميشال سعادة تراوح في كثافة الغموض الذي يحيل الحياة إلى دائرة مغلقة، فهي دائمة التلهف إلى المطلق، إلى الانعتاق من كل ما هو حسي وزمني.

ويتتبع الناقد التباس الصور والأفكار في قصيدة نسرين برباري، ويحاول أن يقرأ المدى الذي تبلغه وما يُثيره تعارض المشاعر وتناقضها، مُستفيداً من طروحات عالم اللسانيات جاك لاكان حول ثنائية الوعي واللاوعي وتلازمهما.

ويوضح الكاتب على عدد من قصائدها، فما إن تهتدي إلى تباشير أمل ورجاء وسكينة، حتى تستنفد قوتها في الدائرة التي تضيق عليها، لتجد أن الغلو في الأحزان منبع لذة حقيقية عندها، يُحيلها إلى نوع من الانسجام بين الأهداف المرجوّة والرغبات، حيث تسود السكينة الروحية.

 

المؤلف في سطور

 

الدكتور ميشال سعادة، أستاذ جامعي لبناني، وهو ناقد وشاعر، نشر مقالات أدبية ونقدية وشعرية في المجلات والصحف اللبنانية والعربية، شارك في عدة مؤتمرات حول العلوم اللسانية، وله عدة إصدارات من ضمنها؛ »محمود درويش عصي على النسيان«، و»عاشقة الحروف والقصيدة الوثن«.