يعد الاعتناء بالأدب العامي في الدراسات العربية من المحاور التي تلقى الكثير من الحوارات والنقاشات، بين فريق موافق على الخوض فيها وفريق رافض. ويعتبر هذا الكتاب من تلك الدراسات الموثقة الأكاديمية التي عنيت بالأدب العامي بمصر.
وقد ربط د. عبدالحميد يونس في مقدمة كتابه »الأدب العامي في مصر في العصر المملوكي« بين دلالة البحث ونشأة جامعة القاهرة عام 1908م. وأفاد بارتباط إنشاء الجامعة بمواجهة الاحتلال الإنجليزي، خاصة بعد حادثة »دنشواي« الشهيرة، إذ أصبح التوجه هو التمكين للشخصية العربية المصرية في مواجهة المحتل.
كان إنشاء تخصص كرسي »مصر الإسلامية« هو أحد الأهداف، وإن عنى بالأدب الفصيح خلال المراحل السياسية والتاريخية: »الإخشيدية - الفاطمية - الأيوبية - المملوكية - العثمانية«. ولم يكن للأدب العامي حيز يذكر، إلا من أحمد أمين، وهو أول من ترأس القسم التعليمي بإصدار »معجم العادات والتقاليد المصرية«. وجاء أحد تلاميذ الجيل الثالث أحمد صادق الجمال الكاتب، ليصدر »الأدب العامي في مصر في العصر المملوكي«.
وكان من الضروري الإشارة إلى جملة ملامح الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية في مصر خلال العصر المملوكي، وهو ما عبر عنه الشعر المصري في حينه، إذ بدأ العصر المملوكي مع بداية حكم »شجرة الدر« التي أدت دوراً مهماً في نقل الحكم من الأيوبيين إلى سلاطنة المماليك عام 1250م.
وقد حمل المماليك صفات تسيء إليهم منذ العصر العباسي، ووصل بهم الأمر في مصر إلى النهب والسلب، وتحول المماليك إلى قوة منظمة في جيوش، وشاركوا في الحرب ضد المغول والصليبيين، وانتهى الأمر إلى سيطرة المملوك عز الدين أيبك على مصر، ورحب بهم أهل مصر.
واتسم عصر المماليك بسمة من الحزم، فلا هي حياة عسكرية صرف ولا هي مدنية خالصة. كما عاش المماليك حياتهم التي تبدو منفصلة عن بقية الشعب المصري، وكانت لهم تجارتهم إلى خارج مصر وحتى الشرق الأقصى.
وإن كانت هناك من الوقائع التي ألمت بمصر، مثل عدم فيضان النيل، ما تسبب فيما يشبه المجاعة والقحط. ونظراً إلى حروب الصليبية ثم الغارات المغولية، شعر المصريون بالفقر مع الإحساس بالكرامة، استثمره الأمراء المماليك بتشجيع التصوف، فكان الاهتمام بالعلوم الدينية بعد إنشاء الخوانق والزوايا والربط، »وهي ما عرفت بالتكايا فيما بعد«.
الأمر الذي انعكس على الحياة الأدبية، ويرى الكاتب أن تلك الفترة شهدت رواجاً أدبياً، وأصبحت القاهرة محط أنظار العلماء والأدباء العرب. فقد راج من العلماء العالم ابن منظور، صاحب »لسان العرب«، في اللغة، والعالم ابن مالك في النحو واللغة.
ونتيجة لكل ما سبق، بدت الحياة في الأدب معياراً، وبدا الأدب قيمة فنية وثقافية.
وهناك أمثلة كثيرة تكشف عن نقد الشعراء للمماليك نقداً لاذعاً. وقد غلب على شعر تلك الفترة الزينة اللفظية، وتعددت ضروب البديع، وبراعة الاستهلال والاقتباس، وهو ما قال به نقاد من عصرهم من أمثال ابن حجة.
وهكذا بدت حياة المصريين في أشعارهم، فقد تركت الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية أثرها في عصر المماليك، إذ تعددت أغراضه، ورقت أساليبه رقة خيلت للبعض (من النقاد) أنها أصبحت عامية. فقد جاء الشعر سهلاً رقيقاً تتخلله روح الفكاهة المصرية، وطبيعة المصريين الساخرة.
المؤلف في سطور
أحمد صادق الجمال، من مواليد القاهرة 1940، حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه بجامعة القاهرة »تخصص في الأدب الشعبي«، له العديد من الدراسات العلمية المنشورة بالدوريات المتخصصة، كما صدر كتابه »الأدب العامي في مصر في العصر المملوكي« عام 1965، ثم أعيد النشر في 2013.
