يصوِّر الكاتب الجزائري سعيد بن زرقة في سردياته المعنونة بـ«قلة أدب/ سرديات ساخرة»، مجموعة مقالات كان نشرها في الصحافة الجزائرية، تضم مشاهد قاسية من الكوميديا السوداء في الحياة اليومية للجزائريين، ملوَّنة بالسخرية المرَّة التي تشكّل منفذاً لحياة الناس، وهي بالنسبة إليه رؤية ما لا يُرى، وسماع ما لا يُسمع، وكشف جديد يهمُّه النوى لا القشر، والعمق لا السطح. والسخرية أن تحمل الريشة بدل الفأس، والكلمات الموحية الدالة بدلاً من لغة الصدام والتشفِّي، كما أنها تجربة ذاتية وحاسَّة سادسة.
ومن سخريات المؤلِّف سعيد بن زرقة أنَّ المجلة الفرنسية «ميكي» أجرت استفتاءً سبرت فيه آراء 333 طفلاً حول أهم شخصية دخلت قلوبهم فأحبُّوها، وخلصت إلى أن المراتب الأولى اكتسحتها أسماء تحترف الضحك والكوميديا، أما الطبقة السياسية فشذَّت في ذيل الترتيب، فعلماء النفس يقولون إن الضحك يعادل قنطاراً من البرتقال، فهو منشِّط، ويفتح شهية الإقبال على الحياة، ويمنع المجتمع من الانتحار، في حين أنَّ السياسة تورِّث ضغط الدم، وترفع من نسبة السكَّر، وتعلِّم فنَّ النفاق والكذب.
وإمعاناً في السخرية، يقول بن زرقة إنَّه يوم كان رئيس تحرير جريدة «الحقيقة»، قام بسبر آراء لمعرفة توجُّه الشعب في اختيار الرئيس، وكانت الحملة الانتخابية لم تنطلق بعد، فكان «طالب الإبراهيمي الأوَّل، والرئيس زروال الثاني، والثالث حمروش، فقامت القيامة، وجاء أحدهم واقترح على المؤلِّف تقديم الرئيس زروال في الترتيب، فأجابه:
سبر الآراء يقول غير ذلك، واللجنة هي التي قرَّرت، فضحك محدثه ضحكة مدوية، وقال: نحن نستطيع أن نخرج رئيساً جزائرياً في مالي وفي نيجيريا، وأنت تعجز عن إخراجه في قصاصة ورق». وحول ضرورة الانتحار في الوقت المناسب، يتحدَّث المؤلِّف عن رجل ياباني عجيب اسمه تسورومي، ألَّفَ كُتيِّباً في حجم اليد سمَّاه «دليل الانتحار الكامل»..
ويعرض الكتاب صوراً مفصَّلة بالرسوم الملوَّنة لعمليات الانتحار. وفلسفة هذا المخلوق بسيطة، إذ تقول: إنَّ الذي يعرف أنَّ الذي بإمكانه الموت بسهولة، فليتعلَّم أيضاً أنَّ بإمكانه العيش بسهولة، وذلك بالعمل. فالذي يتكرَّر فشله، يتبرَّع له المؤلِّف تسورومي بكتابه الجهنمي هذا، ليترك مكانه لرجل ناجح يخدم اليابان، لأنَّ هذا «البَرّ» مساحته صغيرة لا تسع الفاشلين.
ثمَّ يذهب المؤلِّف بن زرقة في السخرية من حلوى تسمَّى: «لقمة القاضي أو المشبَّك أو العوامة أو (الزلابية)»، فيروي أن «الجزائري في شهر رمضان قد يقطع مسافات طويلة من أجل الحصول على كيلو من هذه الحلوى، لذلك انتشرت في العام الماضي إشاعة فقيه قام بتحريم أكل (الزلابية)..
واعتبرت في الفتوى المشاعة أنَّها من بدع الصيام، ونظراً إلى حالة الطوارئ التي أحدثتها هذه الفتوى، خرج الفقيه من صمته خوفاً على حياته، وتبرَّأ من الفتوى وأكَّد جوازها، ثمَّ ذهب إلى محلاتها وابتاع 10 كيلوغرامات، وترجَّاه البائع في أن يأخذ صورة له مع (زلابيته)، لترويج سلعته ولدفع شبهة التحريم، فرفض الشيخ بأدب، لأنَّه يحرِّم التصوير..»، وغير هذا من القصص الطريفة التي يضمها الكتاب.
