يبحث كتاب «عملية الإبداع والإدراك الفني/ مقاربة تكامليّة» لمؤلفه بوريس ميلاخ في موضوع مهم هو (الإبداع والإدراك الفني)، الذي يرتبط بجملة من العلوم والفنون، كما يقف عند ألوان وأجناس الإبداع الإنساني، ويفصّل في أسراره وأسسه ودوافعه وتكامله الفني والأدبي، من خلال التفاعل القائم بين علم الجمال وعلمي الأدب والفن مع العلوم الأخرى المفيدة في دراسة أعقد أنواع النشاط الروحي الإبداعي.
ويشير الكتاب إلى أنه منذ العصور القديمة، سعت البشريّة إلى إدراك أسرار الإبداع الفني، والكشف عن طبيعته وآلياته ومصادر قوة تأثيره العجيبة، ومن ثم تكامله مع أنشطة إنسانيّة أخرى تربطه بها علاقات عضويّة، لاسيّما الفلسفة وعلم الجمال الذي يُشكّل أحد الأسس النظريّة لدراسة الفن بمختلف جوانبه ومجالاته. وبناءً على هذا، يجب على علم الجمال أن يقوم بالدور الرئيس الأول في تحديد ماهية الإبداع وأهدافه.
ويؤكد الكتاب أنه في السنوات الأخيرة، ازداد بشكل ملحوظ التفاعل بين علم الجمال وعلم الأدب والمعرفة الفنيّة، غير أن المفارقة في وضع دراسة لعمليات الإبداع الفني، تكمن في عدم وجود تعريف حتى الآن لهذا الجانب من البحث العلمي، يمكن أن يطابق أهدافه ومضمونه، ما تطلب البحث العميق والدقيق في سيكولوجيّة الإبداع التي لا تحظى باعتراف أساتذة الأدب والفن، كعلم مستقل، وبالتالي انحصرت جميع محاولات دراسة العمل الإبداعي بتحديثات مختلفة، كطريقة السيرة الذاتيّة، وهي مسألة مركزيّة ومعاصرة وملحة.
ثم ينتقل الكتاب إلى إثارة موضوع التفكير الفني والممارسة الإبداعيّة، وهي قضية مركبة تتطلب تكامل النتائج التي تم التوصل إليها في مختلف مجالات المعرفة المعاصرة. ويقف الكتاب عند الإدراك الفني، مؤكداً أن إدراك الفن مسألة اهتم بها الباحثون منذ القديم، بيد أنها، وحتى العقد الأخير من القرن العشرين، لم تشغل في العلم مكانها اللائق، وهي مسألة غاية في الصعوبة والتعقيد، وقد كان مكسيم غوركي يقول: إن قراءة الكتب عملية مكنونة غامضة لا نعرف عنها إلا القليل. أما الكاتب الفرنسي أناتول فرانس فُيعد القراءة حواراً متكافئاً بين الكاتب والقارئ. وقارن فيكتور هيغو هذا الحوار بالمبارزة التي يصعب معرفة نتائجها.
