يتناول كتاب «نذير نبعة: عين على العالم.. عين على الروح» لمؤلفه الفنان التشكيلي يوسف عبد لكي، مسيرة الفنان التشكيلي نذير نبعة «1938»، الذي يُشكّل كما يقول المؤلف قامة استثنائيّة من قامات الفن التشكيلي المعاصر في سوريّا. فهو رسام صارم، متقشف. فنان لم تصنعه موهبته فحسب، بل صنعه معها عمله الدؤوب على مدى خمسين عاماً. نذير نبعة ليس فناناً إنه درس.

يُشير الكتاب إلى أن نبعة كان هاوياً طموحاً في دمشق، وفي القاهرة (التي سافر إليها العام 1958 لدراسة الفن) أصبح فناناً محترفاً، بعد أن أبصر طريقه الذي لم يكن مجرد رؤية خاطفة، بل كان دراسة وعملاً واحتكاكاً ومعايشة على مدى أربعة أعوام. في القاهرة عرف كيف يتدرب، وما هي مناهل عمله، وكيف يعمل ولماذا. بعد انتهاء دراسته، عاد نذير نبعة إلى سوريّا..

وعمل بعطش حقيقي مكتشفاً نفسه بالعمل، وقدرته على تجديد لغته بالعمل. وفي السنوات الأخيرة من عقد الستينيات، انتقل من صياغة لوحاته بالأزرق إلى الاقتصار على لون واحد. وسرعان ما أصبح سيد اللوحة التي تستمر في إطار شخص أو اثنين مؤسلباً ملامح الوجه وأعضاء الجسد، موسعاً حدقات العيون. حدقات تذكر بعيون أطفال الحارة المصريّة المفتوحة على اتساعها، والتي كان يرسمها جورج البهجوري، غير أن نبعة نزع من أشخاصه هؤلاء سماتهم المحليّة ووسديميّة خلفياتهم في معنى إنساني مطلق.

بعد ذلك، تابع نذير نبعة كشوفه وانتقالاته، فأخذ نساءه وأشخاصه أنفسهم ورماهم في فضاء جديد مكوّن من تغضنات عفوية حرة، خشنة، سميكة من عجينه الأساس، يسبحون في فضاء أليف غير معترفين بقانون للجاذبيّة، وضمن جو يحتفي بالخيال، مصاغ من تبصيمات الثياب، وحلميّة المكان، وشرقيّة الملامح، وعربيّة الزخارف، وبألوان دافئة تؤكد شاعريّة المشهد من الأخضر والبني.

ألوان قادمة من مفردات الطبيعة العذريّة، ومن الذاكرة اللونيّة للشرق الذي شكلت لوحة الفنان نذير نبعة «في إحدى مراحلها» عمقاً شرقياً آسراً متناغماً، ما وضعها خارج الموجة التي عرفها منتصف وأواخر الستينيات من امتداد التجريد إلى العديد من التجارب الفنيّة الرائدة في الحركة التشكيليّة السوريّة، بتأثير تنظيرات الفنان الإيطالي لارجينا Larjna الذي درّس في كلية الفنون الجميلة في دمشق وقتذاك.

ويشير الكتاب إلى أن انتقال نبعة إلى فرنسا بداية السبعينيات، لمتابعة دراسته العالية في المدرسة الوطنيّة العليا للفنون الجميلة كمعيد موفد لصالح كلية الفنون الجميلة في دمشق، شكّل صدمة بصريّة له ما جعل من باريس محطة إغناء له وليس مكوناً أساساً كدمشق والقاهرة.

وعندما عاد إلى دمشق منتصف السبعينيات، وبدلاً من أن يشطح في عمله بعد فترته الباريسيّة، عاد إلى الرسم بكل رصانة، وإلى متابعة سلسلة أعماله قبل السفر التي أطلق عليها اسم «الدمشقيّات»، والتي تحتل فيها النساء جل المساحة، إضافة إلى سلسلة الاكسسوارات الشرقيّّة والمناخات الحلميّة. عمل نذير على هذه السلسلة خمسة عشر عاماً. وفي بداية التسعينيات، أحس أنه استنفد الاستمتاع ببستانه هذا، فانتقل (كما هي عادته) إلى بستان جديد ضارباً عرض الحائط ما ألفه الناس من عمله، على مدى عقد ونصف.

انتقل إلى حيز بعيد تماماً، بل ومتطرف، غير آبه بالصدمة التي يمكن أن يحدثها لمتابعي عمله، وهذا بحد ذاته درس من دروس نبعة، فهو من نوع الفنانين الشغوفين بامتلاك كل شيء، وليس ممن يقتصرون على درب واحد، بحيث وينتهي الكتاب إلى القول إن نذير نبعة أمضى خمسين عاماً من عمره في معركة مفتوحة مع اللوحة. وهو ككل البشر، لم يصغ حياته مثلما أراد، لكنه تدبرها قدر ما استطاع.

 الكتاب: نذير نبعة/ عين على العالم.. وعين على الروح

تأليف: يوسف عبد لكي

الناشر: صالة تجليات - دمشق

الصفحات:208 صفحات

القطع: الكبير

المؤلف في سطور

 يوسف عبد لكي فنان تشكيلي سوري من مواليد عام 1951. درس فن الحفر المطبوع في دمشق وباريس، مارس إلى جانب إنتاج اللوحة رسم الكاريكاتير للعديد من الصحف والمجلات العربيّة.