في كتاب «أطياف من الجنوب» يروي بسام الرمال قصة المعلمين الذين يعارون إلى دولة أخرى، منذ اللحظة التي استلم فيها بطاقة الطائرة إلى اللحظة التي عاد فيها إلى دمشق، وفيها يقص علينا أخبار الصحراء والواحات، حوادث ووقائع ومواقف جرت حقيقة، شاهدها وعاشها، ونقل عن أناس قصوا عليه مباشرة ما جرى معهم، أو ما شاهدوه، أو ما قصه عليه أبناء تلك المنطقة.

وجرت أحداث هذا الكتاب في أواخر سبعينيات القرن الماضي، في جازان، آخر منحدرات جبال عسير وأول سفوح اليمن الانكسارية. وربما تكون هذه البقعة من أشرس بقاع الدنيا مناخاً وتضاريس وحيواناً ونباتاً وأمراضاً وغرابة عادات. وقد أمضى في هذه المنطقة عاماً دراسياً، قام بالتدريس معاراً من سوريا إلى المملكة العربية السعودية.

أحاديث ويوميات فيها الشجون وفيها الفرح، يصورها لنا بسام الرمال في كتابه، وهي تصور المنطقة في تلك الأيام من سبعينيات القرن الماضي، وكانت الحضارة تتقدم إليها بشيء من الريبة والشك، ويدرس العادات والتقاليد التي كانت سائدة، فمن ذلك تخزين القات وختان الولد، وكائنات المنطقة كالأفاعي والعقارب، والضباع والنمور، وبعض أمراض المنطقة والجن.

وصف الرحلة

بدأت القصة عندما علت مكبرات الصوت، ترجو من المغادرين إلى السعودية التوجه إلى البوابة رقم (5) للسفر على متن طائراتها؛ «إذ ارتفعت الطائرة في لحظات، وبدأت معالم الأرض تبتعد وتضمحل، تعلقنا بالفضاء وباللاشيء، وهرب قلبي من مكانه». ومن النافذة الصغيرة تغرق نظراته في الأزرق واللامتناهي.

ثم ينزلون في جدة في الساعة الثالثة ظهراً، وكأن كوة من جهنم فتحت عليهم، وهناك ينقلون إلى صالة تجمع المدرسين في المطار القديم، مدرسون مع عائلاتهم يتحلقون حول بعضهم على أرض جرداء، المجموعة التي ستذهب إلى جازان أخذت زاوية في الصالة الفسيحة العارية. ويضيف: «ما إن أخذت مكاني بين مجموعتي حتى داعب أجفاني طائف النوم، فتمددت على كرتونة تركها أحد المغادرين، وجعلت حذائي تحت رأسي، وغطيته بالكرتونة».

في اليوم التالي من رحلتهم حلقت بهم الطائرة إلى جيزان، وفي لحظات بدت مدينة جدة كخريطة نافرة التضاريس، الماء الأزرق الساحر على اليمين، والأرض الصفراء التي تعكس ذهب الغروب على اليسار، خرجوا من مطار جيزان الصغير إلى جو خانق، كانت جدة بالنسبة إلى جيزان متنزهاً؛ «هذه تربة جيزان الأصلية؛ الأرض سبخة، تربتها الرصاصية كالمهل، تتصاعد منها فقاعات ملتهبة..

وكأنها ماء يغلي على نار هادئة، ورائحة تشبه رائحة السمك، رائحة فريدة خاصة بها، وقد وصلتها المياه والكهرباء، وعبدت فيها الشوارع الرئيسية، بدأ استيراد المواد الغذائية المعلبة والطازجة، وكذلك الأجهزة الكهربائية، وافتتحت بها المخازن الكبيرة التي تضم كل ما في الدنيا من معلبات، وأخرى تخصصت بالأدوات المنزلية، وثالثة بالأدوات الكهربائية، ورابعة وخامسة إلخ، فالاستيراد هنا حر ومفتوح».

سهول وادعة

ويتابع الراوي: «وجهتنا الجنوب، ركبنا سيارة أجرة، وتركنا جيزان خلفنا تشتعل في وقت الظهيرة، بعد دقائق كنا وسط الصحراء. تابعت السيارة في وادي «التيه» وتابعنا في داخلها رقصنا المتكسر، توارت الصحراء نهائياً، وبدأت الأرض تبتسم عن بقاع خضراء على امتدادها عرائس الأشجار البرية».

ويضيف أنهم وصلوا إلى «قوا» أخيراً، وها هي المدرسة أمامهم تشرف على القرية وعلى السهول الممتدة الشاسعة، وراءها مرتفع صخري أجرد.. خرج ثلاثة أشخاص على صوت السيارة، مدرسان وفراش رحبوا بنا بحرارة، وتوافد أهل القــرية للتعرف إلينا نحن المدرسين الجدد».

قصدوا دار الإمارة، وهي بناء عادي من القرميد الطيني ومن طابق واحد، دخلوا من الباب الكبير فامتدت الساحة مكشوفة أمامهم، توزعت على أطرافها غرف مغلقة الأبواب، في وسط الساحة رجل يتكئ على عدة وسائد، وعلى الطرفين أمامه جلس ندماؤه وأصحاب الحاجات. كان الأمير يرتدي دشداشة فقط وشملة بيضاء، دار الحديث ودياً بينهم وبين الأمير، كان متواضعاً تبدو عليه الطيبة، وأكثر من الترحيب بهم.

ويصف الكاتب رحلته التعليمية فيقول: «تسعى الحكومة في المناهج التعليمية إلى أن تغرس في النفوس حب العمل واليوم افتتاح المدارس، بدأ الطلاب يتوافدون من مختلف الأعمار، إنهم يلبسون الدشداشات البيض، وعلى رؤوسهم قبعات بيض أيضاً وينتعلون الزنوبات، وتتدلى من أيديهم حقائب «السمسونايت» اصطفوا لتحية العلم، ها قد رن الجرس، فإلى العلم».

ويضيف: «في الفرصة الأولى وزع المدير صناديق التغذية على الطلاب، في كل صندوق علبة حليب وقطعة من جبن وقطع من البسكويت وحبات من الفول السوداني ومنديل كحولي معطر لتنظيف اليدين، كلها مغلقة بشكل جيد ومفرغة من الهواء».

بدأ العام الدراسي، وبدأت الأيام كسولة ملولة، وبدأ شوقنا للأهل ينشط ويشتد، كنا ننتظر يومي السبت والثلاثاء موعد البريد، «أترك كل ساعة غرفة الصف، وأنظر من فوق تلة المدرسة، أستشرف طريق الخوبة عل ساعي البريد يطل حاملاً معه أخباراً تنفع الغلة».

 الكتاب: أطياف من الجنوب

تأليف: بسام الرمال

الناشر: دار عبدالمنعم للنشر والتوزيع - حلب 2014

القطع: المتوسط

المؤلف في سطور

 بسام الرمال، كاتب سوري ولد في حلب عام 1946، حصل على شهادة أهلية التعليم ثم الإجازة في اللغة العربية عام 1972، مارس التدريس، يكتب القصة القصيرة والمقالة، صدرت له مجموعة قصصية عنوانها «فوق.. تحت»، وقد فاز أكثر من مرة في مسابقات أدبية على مستوى بلده.