يرى الكاتبان المصريان محمود شريف بسيوني ومحمد هلال، أنَّه إذا كان من الضرورة أن يُحدِّد تاريخٌ لبدء تجريف التربة السياسية في مصر، فإنَّ السنوات التي تلت ثورة يوليو 1952 شهدت الانطلاقة الحقيقية لمساعي النخبة الحاكمة لاقتلاع السياسة من حياة المصريين وعزلهم عنها.
فمن إلغاء دستور 1923 الذي أعلن الضباط الأحرار أنَّهم قاموا بحركتهم لإنقاذه، وإلغاءٍ للأحزاب، ومنعٍ لطبقة كاملة من المصريين وصفوا بأنهم من «المعزولين سياسياً»، وبأنَّهم من «أذناب العصر البائد» من ممارسة العمل العام، واحتكارٍ للعمل السياسي في يد تنظيم وحيد نُعت بأنه شعبي، كلها مظاهر لعملية تجريف بل وقتل متعمَّد للسياسة وإقصاء لأيِّ رأي يعارض النظام أو يشكِّك في حكمة زعيمه.
تلك كانت بداية التجريف السياسي في مصر، والذي استمر منذ ثورة 23 يوليو 1952 إلى ثورة 25 يناير 2011، وإن تغيَّرت الأساليب والأسانيد وتباينت درجات وشدَّة التجريف. فلقد كان نضوب التربة السياسية وفقدان الأمل في إمكانية إحيائها بعد طول موات واحداً من أهم الأسباب لسعي المصريين لإسقاط نظام أقصاهم عن السياسة وأبعدهم عن تسيير أمور حياتهم.
وهنا كما يقول المؤلفان: لم تكن المعاناة الاقتصادية في صدارة دوافع طليعة الثوار من الشباب الذين خرجوا في تظاهرات يوم 25 يناير، لكنَّها كانت على رأس المظالم التي دفعت أغلب طوائف الشعب المصري لمباركة الثورة ومناصرتها حتى سقط النظام يوم 11 فبراير 2011. وقد أظهرت سلسلة من استطلاعات الرأي التي أجريت بعد نجاح الثورة الأهمية التي يوليها الأغلبية الكاسحة من المصريين لتحسين الحالة الاقتصادية في البلاد.
لقد كان يوم الحادي عشر من فبراير لعام 2011 موعداً لإسدال الستار على الجمهورية المصرية الأولى التي تأسَّست يوم 23 يوليو 1952.
فقد خرجت جموع الشعب المصري للمطالبة بإسقاط نظام لم يتأسَّس بتولِّي الرئيس السابق حسني مبارك الحكم يوم 15 أكتوبر 1981، وإنما نظام تمتد جذوره لما أبعد من ذلك. فلم تكن استراتيجية التجريف السياسي واستئثار الحاكم بالسلطة من صنائع مبارك ونظامه، بل كانت أسلوباً انتهجه من سبقوه في حكم مصر. ولم يكن تركيز السلطات في يد رئيس الجمهورية أمراً استحدثه مبارك، وإنَّما هي ظاهرة ورثها ممَّن رأسوا البلد قبله.
الكتاب: الجمهورية الثانية في مصر/ دراسة
المؤلِّفان: محمود شريف بسيوني ومحمد هلال
الناشر: دار الشروق - القاهرة 2012
الصفحات:474
القطع: الكبير
المؤلفان في سطور
د- محمود شريف بسيوني أستاذ القانون والرئيس الفخري لمعهد القانون الدولي لحقوق الإنسان بكلية الحقوق جامعة «دي بول» في شيكاغو بالولايات المتحدة، ورئيس المعهد العالي للدراسات العليا في العلوم الجنائية بـ«سيراكوزا» بإيطاليا، والرئيس الفخري للجمعية الدولية للقانون الجنائي في باريس. والكاتب محمد هلال باحث ومحاضر بجامعة «هارفارد» بالولايات المتحدة.
