يرى كتاب «سيمفونية اللون.. آراء وشهادات»، لمؤلفه علي القيم، أنّ فاتح المدرس بحث عن تكوينات وأشكال ووحدات هندسية وفنية مميّزة، وكلّما توغّل في البحث أكثر، كان هذا يقوده إلى مضامين ولغة وقيم تشكيلية تجدّد هويته. إذ اهتم بتصوير البيئة ومشاهد الحياة اليومية التي ظلت في بعض جوانبها محتفظة بصفاتها التراثية والتاريخية.
ولكن بلغة بصرية عمادها اللون الذي لا يشبع، ويمتع ويعطي آفاقاً واسعة لتجسيد أفكاره وهمومه الوجدانية. وكانت الديناميكية والشغف التعبيري المتأجج، صفتين عامتين ومميزتين في فنه، على امتداد مسيرته الفنية التي امتدت طوال أكثر من نصف قرن.
طفولة مستعادة
يرى القيم أن المدرس يعبّر عن حزنه الريفي وطفولته المستعادة ومخزونه المشبع بالأسئلة الفلسفية ومشاغل وهموم الإنسان المتعب، فبذا جعل من الرّسم مسألة ضمير ووجد ودفاع عن الروح، غير ملوثة بمتغيرات وتجليات العصر. وتزوج والده فلاحة كرديّة من منطقة عفرين قرية «كفر جنّة».
ويبين المؤلف أنه ولد فاتح المدرس في مدينة حلب عام 1922، ومنذ طفولته الأولى، خبر قصة الموت بقسوة، إذ خرج أبوه مسلحاً لينضم إلى ثوّار هنانو، لكنه لم يعد. وتربى فترة في كنف أخواله، ثم أخذه أهل أبيه إلى حلب، وأرسلته جدته إلى المدرسة.
ويوضح القيم مراحل حياة المدرس كلها، فيبين كيف يغادر حياة الريف وينتقل إلى مدينة حل، وفي أحد بيوت باب النصر، كانت الفلاحة عيشو البرازانية تجلب لولديها «له أخ اسمه كامل»، البرغل والزيت والزبيب، على ظهر حمار من بيت أهلها، وعندما صار في الثامنة، دخل المدرسة الابتدائية، وتعرّف إلى وسائل المعرفة والتعبير. ولفت نظر أستاذه إلى قدرته على الرسم، ورأى فيه صورة الطفل الموهوب، فزرع في نفسه محبة هذا الفن.
رحلات مؤثرة
ويقول فاتح المدرس: «عندما جلست على مقعد الدراسة، كان الأستاذ جلال بيرقدار إنساناً أدخل الرسم في نفسي، أظنّ أن له من التأثير الذي كان للطبيعة فيّ، كنت أرى نفسي وأنا أرسم لزملائي في المدرسة، وكرّت العجلة، فإذا بي أرسم وأحب الموسيقى أيضاً، ورأيتني أحبّ الشعر والقصة والرحلات».
ثم انتهت المرحلة الابتدائية، وتابع فاتح دراسته في ثانوية المأمون، التجهيز الأولى، وهناك التقى بأستاذه منيب النقشبندي، والفنان غالب سالم، والفنان وهبي الحريري.
وعاد إلى حلب في منتصف الأربعينيات من القرن الـ20، وعمل مدرساً للغة الإنجليزية والتربية الفنية في ثانويات حلب، وفي هذه الفترة التقى بالطليعة الفنية التي كان يمثلها: غالب سالم، وهبي الحريري، إسماعيل حسني. وغيرهم. وأظهر فاتح المدرس نشاطاً في رسم المشاهد الطبيعية، جمع فيها بين شفافية السماء وصلابة الأرض، ضمن إطار الواقعية الشاعرية.
كما أغنت الدراسة في لبنان الجانب الأدبي لدى فاتح. وفي عام 1952 شارك في المعرض الرسمي الذي أقيم في دمشق، إلى جانب أبرز الفنانين السوريين، ونال الجائزة الأولى على لوحته «كفر جنة» التي اعتبرها النقاد آنذاك في طليعة الأعمال التصويرية في الفن السوري. وفي 1956 أوفد إلى روما لمتابعة دراسته. ويعود فاتح إلى الوطن بعد الدراسة في عام 1961، ويقيم في دمشق، وفيها يتخذ له محترفاً في أحد أحيائها الجميلة.
طاقات لونية
ويؤكد المؤلف أن القدرة التعبيرية الجامحة لديه تنبثق من ذلك الصراع القائم بين الخطوط التي تتشكل في محيط اللوحة، وبين المساحة المتولدة من علاقة الأشكال المنجزة، حيث يتجدّد الرسم مرة إثر أخرى كلما حاولت المادّة المشحونة بالانفعالات الإغارة على الخطوط وإغراق معالمها الأولية اللون ووقع الفرشاة المعربدة. ويعرض لما قاله الشاعر أدونيس في وصف إبداع المدّرس:
«لا نعت يليق بإبداعه حيث لا ينفصل الانتهاء عن الابتداء، والشقاء عن البهاء، والجمال هنا محفوف بالأليم الفاجع، واللوحة تمثل الأرض طاقة تولد الطاقات، وصورة واهبة الصور». كذلك يضمّ الكتاب، عدداً من الآراء والشهادات لمثقفين سوريين وعرب، تلخص حياة الفنان وتجربته الفنية.
الكتاب: سيمفونية اللون.. آراء وشهادات
تأليف: عليّ القيم
الناشر: وزارة الثقافة – دمشق 2013
الصفحات: 208 صفحات
القطع: المتوسط
المؤلف في سطور
عليّ القيم، باحث سوري، من مواليد اللاذقية عام 1950، حاصل على إجازة عامة بالآداب، ودبلوم تربية عامة، عمل مديراً لمتحف الطب والعلوم في دمشق، يعمل حالياً معاوناً لوزارة الثقافة، كما أنه عضو جمعية البحوث والدراسات. لديه أعمال كثيرة، منها: بيمارستان نور الدين، إضاءات من الذاكرة القديمة، مجالس الكتب.

