يتحدث كتاب «الضوء والظل بين فنيّ الشعر والتصوير» لمؤلفته رلى عدنان الكيال، عن موضوع شغل بال الكثيرين من الأدباء والفنانين التشكيليين، خلال مراحل تاريخيّة مختلفة هو:

 العلاقة بين ضروب الإبداع الإنساني متعدد الوسائل والأجناس، لاسيّما الشعر والفن التشكيلي، وقد وضعت دراسات، وصدرت كتب عدة حول هذا الموضوع نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: (قصيدة وصورة) للدكتور عبدالغفار المكاوي، (الشعر بين الرؤيا والتشكيل) للدكتور عبدالعزيز المقالح، «الشعر بين الفنون الجميلة» للدكتور نعيم حسن اليافي.

أضواء وظلال
في هذا السياق يأتي كتاب «الضوء والظل بين فنيّ الشعر والتصوير»، الذي يبحث في العلاقة بين ضربين من ضروب الفنون الجميلة هما: الشعر والفن التشكيلي، خصوصاً منه التصوير والنحت، وهما من أقدم وأهم أجناس الفن التشكيلي. اعتمدت الباحثة جملة من المحاور في تتبع هذه العلاقة منها: الضوء والظل في الكتلة والفراغ، وفي الحركة والسكون.

 وفي مستويات التعبير، وفي حوار الفنون، مبيّنةً منذ البداية الفرق بين (الرسم) و(التصوير) وهي إشكاليّة قائمة وملتبسة حتى لدى المختصين أنفسهم. فالرسم هو المدخل إلى التصوير، أو التعبير بالخطوط. أما التصوير فهو الرسم مُضافاً إليها اللون، أو بناء اللوحة بالألوان والخطوط والأضواء والظلال.

أما بخصوص أقدم نص تحدث عن العلاقة بين الشعر والفنون التشكيليّة فهي العبارة المنسوبة إلى اليوناني سيمونيدس الكيوسي (556-468 ق.م.) والتي يقول فيها: إن الشعر تصوير ناطق، والتصوير شعر صامت. بعدها تتالت الأبحاث والدراسات والاهتمامات من قبل الفلاسفة الإغريق بهذا الموضوع، وربما أعطى أرسطو بعداً فكرياً للعلاقة بين الفنون على خير وجه.

 إلا أنه حصر الخلاف بين الأداة دون أن يوضح أثر الأداة في تغيّر الموضوع، إذ إن العناصر المكوّنة لكل فن على حدة، كاللون في التصوير، ومادة الكتلة في النحت (رخام، حجر، خشب، برونز) والكلمة المنظومة في الشعر، هي التي تحدد الموضوع المتناول في هذه الفنون.

وحول المقابلات المتقاربة في وسائل تعبير هذه الفنون، تُشير الكاتبة إلى أن الحبكة في الشعر (المسرحي منه بالذات) تُقابل التصميم في التصوير، والأشكال البيانيّة في الشعر، أو ما ندعوها الصور الفنيّة تقابل الألوان والظلال والأضواء في التصوير. وتزداد هذه المقاربات وضوحاً لدى الشعراء الذين كانوا رسامين ومصورين في آنٍ معاً أمثال: روسو، شاتوبريان، لامارتين، ووردزورث.. وغيرهم.

تقارب فني
من جانب آخر، أوضحت الكاتبة أن الضوء والظل في الكتلة والفراغ في فن النحت يقابلهما الشكل والحيز في فن التصوير، والصوت والصمت في فن الشعر الشفاهي، والكلمة والفراغ الطباعي في الشعر الكتابي.

أما عن الأسباب التي دفعتها لاختيار الضوء والظل، وتبيان دورهما في فنون النحت والتصوير والشعر، وأهميتهما في تشكيل الوسائط الأخرى، فضلاً عن دورهما في خلق التقارب بين الفنون السابقة فهي: ظهور الضوء والظل مع الوجود، وتجليهما في شتى مظاهره، وهما واسطة مهمة في الفنون، فضلاً عن إضفائهما الناحية الجمالية عليها، ومن خلالهما يمكن إثبات وحدة الفنون في الغاية.

وتقاربها في الوسائط، كما أن قراءة فن الشعر قراءة جديدة، تجعل المرء يصوّر من القصيدة لوحة، ويتابع تجليات الضوء والظل فيها، ودراسة الصلة بين فنيّ الشعر والتصوير، تدفع إلى نظرية: المبدع - الرسالة - المتلقي، وهي من النظريات الأساسيّة في دراسة الأعمال الفنيّة.

علاقة ديالكتيكيّة
وتلخص العلاقة بين الضوء والظل طبيعة العلاقة الديالكتيكيّة بين مفردات الفن، ومن قبله الوجود. وأكدت الكاتبة ضرورة البحث في هذا المجال. إذ كثرت الدراسات عن تقارب الفنون.

 وتعمقت في دراسة وسائطها من لون وخط وإيقاع ومفردات لغويّة وصيغ دلاليّة. فانفرد اللون في التصوير، والإيقاع في الموسيقى والشعر، واللغة في الشعر، ولم تتناول الدراسات واسطة الضوء والظل تشكيلياً في الشعر، وإن أشارت إلى أهميتها في التصوير والنحت ودلالتها اللغويّة والبلاغة في الشعر.

ولدعم أفكارها، ساقت الكاتبة أمثلة من الشعر والتصوير والنحت تنتمي لعصور مختلفة، بما فيه عصرنا الجاري، وانتهت إلى نتيجة مهمة هي أن فكرة التقارب بين الفنون من حيث تعبيرها عن غاية واحدة، مع اختلاف الأدوات والوسائط هي التعبير الإنساني عما ينتاب الإنسان من أحاسيس، ويراوده من أخيلة، ويشغله من أفكار إزاء هذا الكون الغامض، وكأنه يحاول أن يُجيب بالفن عما تُجيب عنه الفلسفة والفكر.

المؤلفة في سطور
رلى عدنان الكيال كاتبة ومخرجة سينمائيّة سوريّة من مواليد عام 1976. حاصلة على ماجستير في علم الجمال. درست الإخراج السينمائي في مصر، وتحضّر رسالة دكتوراه في علم الجمال والعلاقة بين الأدب والسينما. من أفلامها «خارج الأبجديّة» والفيلم القصير «نيجاتيف».

 

الكتاب: الضوء والظل بين فنيّ الشعر والتصوير
المؤلفة: رلى عدنان الكيال
الناشر: الهيئة العامة السوريّة للكتاب ـ دمشق 2011
عدد الصفحات: 384 صفحة
القياس: المتوسط