يناقش كتاب «قصة الصراع بين الفلسفة والسلطة» للدكتور حسن حماد قضية من أخطر وأصعب القضايا في تاريخ الأفكار، ونعني بها علاقة الفلسفة بالسلطة. وبرغم أن السلطة ذات طبيعة واحدة، من حيث انها تتعارض دائما مع مبادئ: الحرية والتلقائية والإبداع، وتخضع أفرادها لنوع من الضبط والقمع والسيطرة، إلا أن آليات السلطة تختلف من عصر إلى عصر..

ومن مرحلة تاريخية إلى أخرى، بل وتختلف باختلاف السلطة أنواع السلطة. والسلطة التي يعينها المؤلف في سياق الكتاب لا تنحصر فقط في سلطة الأنظمة السياسية والمؤسسات الدينية..

وهي بلا شك أعتى وأقدم سلطات التاريخ الإنساني. إن ما يعنيه بالسلطة يتجاوز هذا المفهوم التقليدي والضيق. فالسلطة التي تواجهها الفلسفة ذات أوجه كثيرة ومتعددة ومتنوعة مثل: سلطة القديم والمورث، سلطة العادات والتقاليد، سلطة السائد والمألوف، سلطة الرأي العام أو الحس العام، سلطة الحشد والدهماء والغوغاء، سلطة وسائل الدعاية والإعلام والإعلان.

سلطة عالم السلع
ويرى المؤلف أن هذا الشكل الأخير من السلطة نشأ نتيجة التقدم العلمي التكنولوجي الذي شهده العالم في القرنين الماضيين، ويضيف «لا يمكن أن نتحدث عن الأنماط الجديدة للسلطة دون أن نذكر سلطة عالم السلع، والواقع أن هذا الشكل الجديد من السلطة قد نشأ مع هيمنة عالم السوق على العالم الإنساني، وسيطرة رأس المال الميت على العمل الحي، وتحول السلعة إلى صنم أو وثن صار الإنسان عبداً له».

إن سيطرة العالم الوثني للسلع هو من أخطر التحديات التي تواجه الإنسان في القرن الحادي والعشرين»، حيث تحولت حياة البشر وقيمهم ومثلهم وأحلامهم وفنونهم إلى سلع أو أشياء تتخفى أو تتقنع من خلال وسائل الدعاية والإعلام في صور وأشكال سحرية وأسطورية ووهمية جذابة، وتتحول بفعل التكرار والممارسة إلى رموز طقوسية أو شعائرية مقدسة.

تعبيراً عن هذا المعنى يقول الفيلسوف الألماني فيورباخ في مقدمة كتابه «جوهر المسيحية»؛ «ولا شك أن عصرنا يفضل الصورة على شئ، النسخة على الأصل، التمثيل على الواقع، المظهر على الوجود ... وما هو مقدس بالنسبة له، ليس سوى الوهم، أما هو فمدنس، وهو الحقيقة. وبالأحرى، فإن ما هو مقدس يكبر في عينيه بقدر ما تتناقص الحقيقة ويتزايد الوهم، بحيث ان أعلى درجات الوهم تصبح بالنسبة له أعلى درجات المقدس».

تاريخ صدام
ويرى المؤلف أن الفلسفة منذ بداية تاريخها الطويل واجهت السلطة، خاصة في صورها التقليدية: سلطة الأيديولوجيات السياسية، وسلطة الفكر الديني، وسلطة العادات والتقاليد، والقديم والموروث. وكثير من الفلاسفة دفعوا حياتهم ثمناً لهذا الصراع، وحتى في أشد العصور تسلطاً وجبروتاً وقسوة، كنا نجد فلاسفة عظاماً يعرضون أنفسهم للفقر والقتل والتعذيب وللنفي والتشريد والاضطهاد..

كل ذلك من أجل تلك الكلمة الرائعة التي تسمى الحقيقة. وشهداء الفكر كثيرون نذكر منهم: «سقراط، الحلاج، السهروردي، جوردانو برونو، روزا لوكسمبورج.. وآخرون غيرهم ضحوا بحياتهم وسعادتهم من أجل حرية الإنسان وكرامته». غير أن علاقة الفلسفة بالسلطة ليست دائما علاقة صراع أو صدام، فأحيانا ما يستسلم بعض الفلاسفة لسحر الأيديولوجيات وإغراء مصاهرة السلطة..

وأحيانا ما يضعف بعض الفلاسفة أمام بريق السلطات، وشهوة الشهرة وغواية السلطة، فيقتنعون بالجلوس تحت أقدام السلطان، ويتنازلون عن حريتهم وإنسانيتهم، يتخلون عن رسالتهم ويتحولون إلى آلات تنطق بلسان السلطة وتروج شعاراتها وتدعو لأكاذيبها. ومن حسن الطالع أن من مارسوا هذا الدور في تاريخ الفلسفة قلة نادراً ما يذكرها التاريخ، فالتاريخ يتذكر دائما هؤلاء الذين بذلوا أنفسهم فداء للحقيقة ودفاعاً عن الإنسان، التاريخ نادراً ما يذكر الجبناء والضعفاء.

عالم الأفكار
وعلى هذا النحو يقرر المؤلف «أن المبادئ التي أعلنتها فلسفة التنوير: الحرية، المساواة، سيادة العقل، احترام كل ما هو إنساني.. مازالت أفكاراً صحيحة حتى هذه اللحظة.. وبالمثل فإن الطموحات التي نشأت من أجلها الأفكار الاشتراكية العدالة، تحرر الإنسان من القهر المادي والمعنوي، مازالت مشروعة ومطلوبة وضرورية حتى وقتنا الراهن.

فالعالم مازال بحاجة إلى أن يستلهم تلك المبادئ والطموحات الراقية لأن دائرة التاريخ لم تنغلق بعد. فبرغم كل الدعاوى المضللة والخادعة التي يروج لها سادة المجتمع العبودي الجديد مثل: العولمة، ونهاية الأيديولوجيا، والعالم الكوكبي.. وغيرها من المصطلحات الوهمية، إلا أن الأزمة مازالت هي الأزمة: ومازال الصراع قائما بين الجنوب والشمال.

وبين الفقراء والأغنياء، وبين العبيد والسادة، والمقهورين والمتسلطين. نعم اختلفت الأشكال، وتغيرت الأزياء، وتبدلت الأدوار، وازدانت خشبة المسرح بكل تطورات التكنولوجيا الحديثة وزودت بشبكات الإنترنت، وغطيت جدرانه بشعارات حقوق الإنسان ولافتات مقاومة الإرهاب، واتسعت صالة العرض لتشمل جميع شعوب الأرض.

لكن مازالت اللعبة هي اللعبة، ومازال النص تقليدياً، والأدوار معادة. وبرغم أن مخرج العرض يريد نهاية معينة، ويتدخل في كل لحظة كي يغير الأحداث، إلا أننا يجب أن نتذكر أن دول العالم ليست قطعا من الشطرنج، وأن نهاية التاريخ لم تبدأ بعد وأن البشر ما كانوا أبداً فئراناً للتجارب مهما بلغ بهم حد الفقر والجهل والخوف».

إخفاق
ويؤكد المؤلف أن «إخفاق أي مشروع فكري في تحقيق أهدافه المرجوة لا يعني أن نعلن يأسنا منه بوصفه مشروعاً فاشلاً، وبالتالي فإن علينا أن نستبدله بالمشروع المناقض له. أعني أن فشل الاشتراكية لا يعني أن الرأسمالية هي سفينة نوح الجديدة، وانحراف مسار الليبرالية لا يعني أن الديكتاتورية هي البديل المناسب. وانتهاكات الأنظمة العلمانية لحقوق الإنسان لا تعني أن الحكومات الدينية هي الحل. فالمذاهب الفكرية والسياسية ليست أقراصاً مسكنة أو وصفات جاهزة يمكن بها علاج أزمات الشعوب».

المؤلف في سطور
د. حسن حماد أستاذ الفلسفة بكلية الآداب جامعة الزقازيق المصرية، من مؤلفاته «النظرية النقدية عند هربرت ماركيوز»، و«الخلاص بالفن: التراجيديا نموذجاً»، «مفهوم العبث بين الفلسفة والفن»، و«الاغتراب عند أريك فروم».

الكتاب: قصة الصراع بين الفلسفة والسلطة
المؤلف: د. حسن حماد
الناشر: الهيئة العامة لقصور الثقافة
السنة: 2013
عدد الصفحات: 200
القطع: المتوسط