يبدأ كتاب «الاستهلال في القصة»، لمؤلفه طارق شفيق حقي بتعريف عنه؛ «إنه خلق جمالي يدرك ويثمن فيه القاص المبدع ذكاء القارئ، ويشاركه أفق عمله الأدبي، وينمي لديه أدواته وإحساسه بالجمال، فنمو حدس المتلقي بعد قراءة أكثر من عمل أدبي بارع، ما كان إلا من تنبؤ الاستهلال وصدق نبوءته». ويوضح المؤلف أن الاستهلال في القصة جزء لا يتجزأ من معمار فني متكامل، لأن العلاقة بين أجزاء القصة علاقة عضوية متناغمة في صياغة الأمر الكلي. لأن القصة وحدات متكاملة منسجمة، جمالها في سياقها، ولن ترى جمالها إلا بتكاملها.

قيم وخصائص
ويشير حقي إلى انه كان للقصة عبر العصور المكانة الكبرى عند الأمم جميعها، تجسد فيها قيمها، وتحفظ بها خصائصها، وتربي عليها ناشئتها، واتضح هذا المديح في القرآن الكريم. وأمّا الرواية فهي ابنة المدن الكبيرة، وتبدأ من ولادة البطل، وتتكلم عن كل حياته حتى مماته: «سيرة سيف بن ذي يزن».

فالرواية تنغمس بالتفاصيل وبكل المواقف، فترى الكاتب وكأنه يتكلم على أحداثه هو، ويمكننا إضافة فارق مميّز بين القصة القصيرة والرواية، وهو «القفلة»، فالقصة تنتهي بلحظة تنوير، تجلو كل الغوامض السابقة، والرواية تنتهي بأي شكل من الأشكال، والقصة القصيرة يتحدّد معناها بنهايتها، وتعتمد على التركيز والإيجاز، وبوسع الرواية أن تصوّر حياة الشخصية بكل مراحلها، بينما القصة تكتفي بلوحة واحدة من حياة الشخصية».


ويلفت حقي الى انه نرى نوعاً من الاستهلال في الرواية عبر وصف الشخصية الحسي والنفسي، وربما يصف المكان. وكذلك هناك نوع آخر وهو البدء بالمونولوج الداخلي، أو حوار يخاطب فيه المتلقي بشكل مباشر. وهذه الأنواع من الاستهلال توجد كذلك في القصة. وبراعة الاستهلال، هو أن يشير الأديب في ابتداء عمله بعبارة تدل على مجمل العمل، تكون مناسباً للمقصود، تجذب المتلقي وتثير اهتمامه، وربما تقع في ألوان مختلفة.

تاريخ القصة القصيرة
ويشرح المؤلف أنه لو عدنا إلى تاريخ القصة القصيرة جداً، فسنجدها في التراث عبر النوادر والملح والأمثال والحكم، وهي تعتمد على تفجير طاقات الكلمات إلى أقصى حدّ ممكن، ويأخذ العنوان شكل الاستهلال الحقيقي والإضافي، ويتجاور مع «القفلة» في شكل علني».

ويبين حقي أن قصص «ألف ليلة وليلة»، تولد القصص من القصص، وتأتي بقصص العلماء والخلفاء والشعراء والأدباء والمتصوّفة، وترصف قصصهم ضمن هذه الليالي، وهي قصص استقت من فنية التراث العربي الكثير، كما لو أن قاصاً حديثاً صاغ الليلة الأولى، وآخر أضاف تقنية لما أضافه هو.

ولعلّ الأدب العربي عرف القصة بشكل شعري جميل، إذ اكتملت عناصر البنية القصصية في شعر عمر بن أبي ربيعة، بصوره الفنية الرائعة. كما يوضح المؤلف انه حمل لنا الشعر العربي قصصاً شعرية فنية، وظهر ذلك في بعض أشعار امرئ القيس وعنترة والنابغة والصعاليك. ويشير الى انه عرف العرب قصة «الخبر»، وحوت كتب التراث كمّا هائلاً من الأخبار، وحوت في صياغتها فنيات تختص بها القصة العربي، وهي: البساطة والواقعية والحيوية.

والأمثلة على هذا مستفيضة في بطون الكتب وبعض القصص، تبدأ بالاستهلال الشعري. إذ استهل بديع الزمان الهمذاني، المقامة البشرية بأبيات شعرية، وغالباً ما كان يختم مقاماته بالشعر .. إذاً ، ينبغي أن يؤتى بالاستهلال، بأعذب اللفظ وأجزله وأحسنه نظاماً وسبكاً وأصحه معنّى، وأن يناسب المقصود، ألفاظه فصيحة وجزلة، ومعانيه بديعة ومناسبة لمقتضى الحال، يجب أن يكون الاستهلال دالاً على ما بعده، كما يجب أن يكون متغير الحضور.

المؤلف في سطور


طارق شفيق حقي، كاتب وناقد سوري، لديه مجموعة مؤلفات وأبحاث ودراسات أدبية.

الكتاب: الاستهلال في القصّة
تأليف: طارق شفيق حقي
الناشر: دار الملتقى - حلب 2012
عدد الصفحات: 216 صفحة
القطع: الكبير