يتحدث كتاب «الجمال الموسيقي» لمؤلفه الدكتور علي القيّم عن الجمال المسموع المجسد في لغة إنسانيّة تستخدم الأنغام والإيقاعات لتنقل إلى المستمع مضموناً لا يحتاج إلى ترجمة أو شرح. لغة تخاطب عقل الإنسان ووجدانه، ويكفي الإصغاء إليها، والتركيز على إيحاءاتها، حتى تتصاعد منها مشاعر ومعانٍ تسقط تلقائياً في أعماق نفوسنا ووعينا، لكن عملية الإصغاء ليست أمراً سهلاً، وإنما تحتاج إلى تدريب متدرج.
مدارس فنية
يضم الكتاب تسعاً وأربعين مقالاً سبق للمؤلف ونشرها في وسائل إعلام محليّة وعربيّة، وتدور جميعها حول شؤون وشجون الموسيقى والطرب وعلم الجمال الموسيقي والأصالة والتجديد في الموسيقى العربيّة. كما يتحدث عن القدود الحلبيّة، والموسيقى الشعبيّة، وحكايات الزغرودة والدلعونا واللالا وأم الزلف. وتوقف عند أساطين الموسيقى العالميّة كفاغنر، وستراوس، وشوبان.
وعند رموز الموسيقى العربيّة القديمة والحديثة كزرياب والموصلي وأبي خليل القباني وإلياس الرحباني. كما تعرض الكتاب لعلاقة الموسيقى بالفلسفة من خلال بعض رموزها كأبي العلاء المعري وسقراط وكونفوشيوس، وتوقف عند مدرسة كارل أورف، ومهندس الموسيقى ايفور سترافنسكي، والقواسم المشتركة بين الموسيقى العربيّة والتركيّة، وعند صوت السيدة فيروز، هذا الصوت العبقري العذب الذي يرافقنا في صباحات أيامنا..
وكان وما زال الحارس الأمين لألق الأغنية العربيّة وأصالتها ومعايير الحيويّة والصفاء. وفيروز هي الوحيدة التي يمكن أن تجعل الدنيا تغني وتبتسم لنا، رغم مآسينا وقسوة الحياة علينا، ذلك لأن في أغانيها تتعانق الرؤيا والنغم، وتتدفق الحياة روعة وألقاً، وتتفجر الأصالة، ويُبعث الوهج، ويتقطر الإلهام على إيقاع عبقرية الرحابنة، لذلك ليس غريباً أن يكون الناس على موعد متجدد معها في صباحات الأيام.
عمل مُركب
يُشير الكتاب إلى أن العمل الموسيقي من الأعمال المركبة من عناصر وأفكار عدة. له شكل ومضمون، وله بداية ونهاية، ويمر قبل أن يخرج للوجود بمراحل ثلاث هي:
أولاً: مرحلة ما قبل الإنتاج: وهي مرحلة تدور داخل نفس المؤلف، يتم فيها البحث عن موضوع، وبلورة التفكير في كيفيّة التعبير عنه.
ثانياً: مرحلة تجسيد العمل الموسيقي. أي تدوينه وخروجه من الأعماق إلى الوجود.
ثالثاً: مرحلة مراجعة العمل الموسيقي لتذوقه ونقده نقداً ذاتياً، ثم وضع اللمسات الأخيرة عليه، اعتماداً على روائز هي مزيج من مفعول العقل وتأثير الوجدان معاً، والعمل العظيم لا يُعتبر عظيماً إلا إذا ابتكر فيه الفنان قيماً جماليّة نابعة من وجدانه، وقام بمعالجتها بعقله وعلمه.
تربية موسيقية
ويرى الكاتب أن تربية التذوق الموسيقي يجب أن تبدأ من مرحلة الطفولة، كوسيلة لإيقاظ الإحساس بالجمال تدريجياً، الأمر الذي يتطلب أن نهيئ للطفل البيئة التي تتيح له أن يتلمس بنفسه مظاهر الجمال فيها..
وبعد اكتسابه هذه القدرة، يصل إلى مرحلة المقارنة بين الجميل والقبيح. وتعد عملية تكرار المعاينة للشيء نفسه، أو الاستماع للعمل الموسيقي نفسه من أهم وسائل تربية الذوق، وتنمية الإحساس بالظواهر الجماليّة، والأثر الكبير يأتي في البدء بالاستماع إلى أقل أنواع الموسيقى تعقيداً. أي المؤلفات البسيطة الصغيرة التي اصطلح الناس العاديون على اعتبارها جميلة.
ويتساءل المؤلف فيما إذا كان بالإمكان تقبل أعمال موسيقية غابت عنها صفة الجمال بحجة الثورية، على اعتبار أن الموسيقى هي مثل كل شيء «الجمال المسموع».
قيم جمالية
في معرض إجابته على هذا التساؤل، يؤكد المؤلف أن رغبة الفنان في ابتكار القيم الجمالية لا تقف عند الالتزام، لأن هذه الرغبة لا تنقطع، وتخضع لحساسية الأذن البشرية، والنظام المقامي الذي يفرضه المنطق السليم في الفكر الموسيقي، للرؤية الواضحة، لجوهر الموسيقى، التي لا تأتي بالصدمات، بل بالتصاعد التدريجي كخط بياني يبدأ من الأسفل وليس من الأعلى.
ويرى أن التذوق الموسيقي يكتسبه الإنسان بالمران والتجربة، وهو ليس تقبلاً ثقيلاً سلبياً للعمل الفني، بل هو تقبل وإعجاب قائمان على إدراك وتقويم، والأذواق لا تناقش ولا يصح مناقشتها.
المؤلف في سطور
د. علي القيم كاتب وباحث سوري له العديد من المؤلفات، وشغل مناصب عدة منها: مدير متحف الطب والعلوم عند العرب «بيمارستان النوري» في دمشق، والمدير العام للآثار والمتاحف، ومعاون وزير الثقافة، ورئيس تحرير مجلة «المعرفة» السوريّة.
الكتاب: الجمال الموسيقي
تأليف: د. علي القيّم
الناشر: الهيئة العامة السورية للكتاب ـ دمشق 2014
الصفحات: 208 صفحات
القطع: المتوسط
