يشتمل كتاب «العاشق المسافر وقصص أخرى»، للمترجم المصري أحمد الشيمي، على 5 قصص للأديبة الكندية أليس مونرو، الفائزة بجائزة نوبل 2013، إلى جانب عشر أخرى، أضيفت أخيراً، بعد إعادة طباعته. ويرى الشيمي أن مفاتيح عوالم مونرو، ليست كثيرة. فهي؛ الريف والوحدة والذكريات التي لا يمكن وصفها بالسعيدة أو التعيسة.
لكنها الحياة بكل بساطتها وهمومها وتفرعاتها المدهشة، ليصبح التجلي الأهم لديها: كيفية تقديم هذه الموضوعات، وهو ما لا يمكن رصده عبر كلمات أو شروط واضحة، ولكن يمكن اختصاره في أنها موهبة جعلت الكثير من نقادها يضعونها في مصاف تشيخوف وتولستوي، وجعلت البعض يصفها بأنها ربة المنزل الكاتبة، أو الريفية الساذجة، وعلى رغم اعتراضها على الوصفين الأخيرين عام 2009، حين فازت بجائزة "مان بوكر" عن مجمل أعمالها، إلا أنها لا تنفصل عنهما، ولا يقللان من حضورها الموازي لحضور أنطوان تشيخوف في عالم القصة القصيرة.
واقعية ساحرة
نجد في الكتاب، أن قصة «العاشق المسافر»، تذكرنا بماركيز في الحب في زمن الكوليرا، ولعلها أكثر واقعية وإدهاشا وفتنة. إذ إننا نجد أنفسنا أمام فتاة أمينة مكتبة تقع في حب شخص لا تعرفه، إلا عبر المراسلة.
فهو مجند على الجبهة ولديه يقين بأنه لن يعود، ولم يجد في ذهنه غير أمينة المكتبة شبه الخالية من الرواد، كي يراسلها ليطمئن على الوطن، وعبر المراسلات تنشأ قصة الحب وتنتهي الحرب، لتتوقع الفتاة أنها أول من سيفكر في زيارته، لكنه لم يفعل، وعلى النقيض رأت صورة زواجه في جريدة، والمدهش أنه عاد وكتب تفسيراً لهذا الزواج، وهو أنه ذهب على الجبهة وهو مرتبط بخطيبة.
لا تتوقف مونرو عند هذا الحد، لكنها ترصد ما يزيد على عشرين عاماً أخرى، تتزوج خلالها الفتاة من صاحب المكتبة والمصنع الذي عمل به الشاب، وربما مات تحت إحدى آلاته، وتتقدم في العمر بعد وفاة زوجها، وتتغير ملامح كل من كانت تعرفهم، لكنها لا تنسى حبيبها الذي لم تر صورته ولم تعرف ملامحه، والذي ظلت أنفاسه تتردد في المكتبة طوال عملها بها، بينما أصداء سيرته تتابع إليها من خلال الشخوص المشتركين بحكم المصادفة، حتى اننا لا نعرف إن كان هذا الحبيب قد مات بالفعل، أم انه تشابه عليها من خلال الأسماء.
تاريخ المكان
بينما ترصد أليس في قصة «الأوز البري» بنعومة مدهشة، تورط قس وفتاة ريفية في الخطيئة.
وفي قصة «نهر منستيونغ»، تكتب عن شاعرة إقليمية عاشت وتوفيت في مدينة ريفية، وماتت، من دون أن يسمع بها خارج نطاق إقليميتها، على الرغم من أنها تركت سفراً شعرياً بعنوان «تقدمات»، رصدت فيه تاريخ المكان ومفرداته وأساطيره، لكن نهايتها كمشوشة عقل لا يحتفي بها أحد، ولا تختلط بأحد، جعلنا نرى نوعاً من الهواجس التي يعتقدها الكثير من الكتاب عن أنفسهم، وهي نظرية عادة يتسم بها الكثير من الكتاب غير المقيمين في المركز، أو غير المؤمنين بأنهم لم تتم قراءتهم على مستوى واسع.
مضمون قصصي
ورغم النعومة التي تتسم بها قصص اليس مونرو، إلا أنها لا تخلو من انتقادات لكل من المؤسسات الدينية التي أصبحت ستارا لكل ما هو سيئ، انتقادات لعادات بليدة في مجتمعات الريف ذي النظرة والأداء المزدوج، للرجال الذين لا يبدو حضورهم أكثر من كونهم عنصرا مكملا لطبيعة الحياة، انتقادات لطبيعة المرأة الراغبة في أمور لا تريد الإفصاح عنها، وتتمنى حدوثها بلا تدخل منها.
ونتبين في مضمون القصص، أن الكاتبة تعنى بتوجيه انتقادات قاسية للمجتمع كله، وتتسم ب: استمتاع واضح بإيقاع مدن الريف الهادئة، أفكارها البسيطة شبه الواضحة، محبة للأماكن التي أقامت وعملت فيها كانت تمتلك مكتبة في فترة من حياتها، محبة للوحدة التي تصل إلى حد العزلة، فتنة بالشعر من دون بلاغة أو مجاز، فتنة بتكنيكات القصة القصيرة، عدم رغبة في التحول إلى الرواية.
المؤلف في سطور
اليس مونرو، كاتبة كندية من مواليد عام 1931 في مدينة ونغهام الكندية، تكتب القصة القصيرة، حائزة على جائزة نوبل في الأدب عام 2013.
نشرت 13 مجموعة قصصية، منها؛ «رقص الأشباح السعيدة». أما المترجم أحمد الشيمي فهو ناقد ومترجم مصري يعمل رئيسا لقسم اللغة الإنجليزية في كلية الآداب في جامعة بني سويف المصرية، من ترجماته؛ «نساء مفقودات وقصص أخرى».
