يتناول كتاب «التجربة الشعرية عند ابن درّاج القسطلي»، لمؤلفه الدكتور محمد دواليبي، بالدراسة والتحليل، علماً بارزاً من أعلام الشعر العربي في الأندلس، وهو ابن درّاج القسطلي الذي يمثّل في شعره، عهداً مهمّاً من عهود الخلافة في الأندلس.

إذ كان شعره صورة صادقة عن حياته، كما كان أيضاً مرآة صافية تراءت فيها الحياة الأندلسية السياسية والاجتماعية والثقافية والحضارية، وكان شعره فضلاً عن ذلك، معرضاً بدت فيه ملامح عصر الخلافة الأندلسية في مرحلتي الازدهار والانحدار.

ويوضح المؤلف، أن حياة ابن درّاج كانت قريبة من حياة المتنبي، وذلك من حيث المعاناة والقلق والشكوى والحكمة ومزج الفكر بالخيال، وتردّده على بلاط الأمراء واستقراره زمناً في كنف الحاجب المنصور أمير قرطبة، استقراراً يشبه مكوث المتنبي في كنف الأمير الحمداني سيف الدولة في حلب، وكذلك برز تأثيره بأبي تمام، من خلال ولعه بالتضاد والبديع والإتيان بالغريب والطريف والصور المبتكرة، والاستعارات البديعة، عبر غوصه في المعاني واستقصائه لها.

طموح وتطلعات

ويبين دواليبي أنه يعدّ الاغتراب عنصراً أساسياً من العناصر المكونة لحياة ابن درّاج، فلم تعرف حياته الاستقرار، ويعود ذلك إلى الظروف السياسية والاجتماعية التي عصفت بحياة الأندلسيين، وأطلق عليها اسم «الفتنة البربرية». ودامت هذه الظروف، خمساً وعشرين سنة، أمست فيها الأندلس خراباً ودماراً، نتيجة للحرب الأهلية.

 وتجلى اغتراب ابن درّاج عن نفسه في صور عدة، لعل أبرزها، قسوة المجتمع والزمان وظلم الحسّاد، إذ اضطر إلى ترك أسرته سعياً وراء الرزق والتنقل من بلد إلى آخر قاصداً الأمراء والولاة، عساه يجد عندهم ما يسد رمق أسرته. ويقول في ذلك، مخاطباً زوجته:

دعيني أرد دماء المفاوز آجناً

إلى حيث ماء المكرمات نمير

ويشير المؤلف إلى أنه لا تختلف صورة الوطن عن صورة الأهل كثيراً لدى شاعرنا، إذ ركز خطابه على بلده الذي حرم منه، وغادره برفقة أسرته متنقلاً بين البلدان باحثاً عن ما فقده في موطنه. وبقيت صورة وطنه في ذاكرته، فكان يذكر ملاعب صباه ومرابع أنسه، وقلبه ينبض شوقاً وحنيناً إليها.

وربمّا اتضحت في شعر ابن درّاج، مظاهر البيئة الأندلسية التي انطبعت في نفسه وخياله بزمانها ومكانها، وتجلت صورها في ميوله نحو قلاعها وحصونها، التي حكت تجربة الحروب والبطولات، كما تجلى نزوعه نحو قصورها ومنشآتها وطبيعتها الساحرة، التي خلبت لبّه وحكت تجربة عيشه.

 

المؤلف في سطور

 

الدكتور محمد دواليبي، مدرّس النقد العربي القديم في جامعتي حلب والفرات، لديه دراسات ومؤلفات عدة.