يُعد كتاب «تيارات الحداثة في التشكيل السوري»، لمؤلفه أديب مخزوم، من الإصدارات المهمة في هذا الحقل، لا سيّما لناحية إحاطته الواسعة برموز هذا التشكيل والمشتغلين على أجناسه وتقانته وأساليبه المختلفة، بدءاً من الرائد ميشيل كرشة (1900-1973)، وانتهاء بسيمون قبوش (1985) المتخرج حديثاً من كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق، الأمر الذي يجعل من هذا الكتاب وثيقة للفن التشكيلي السوري المعاصر بكل تلاوينه واتجاهاته. ما كرّس من أهميته، أنه احتوى على شواهد بصريّة ملونة وافرة وداعمة للنص النقدي التحليلي.

يضم الكتاب شذرات كتبها عدد من الفنانين التشكيليين السوريين، حول جهود مؤلفه النقديّة والتوثيقيّة لحركة التشكيل السوري المعاصر، منهم: فاتح المدرس، عمر حمدي، أسعد عرابي، عبد المنان شما. ينتقل بعدها المؤلف، للإعلان عن بيان تشكيلي لنقد عربي معاصر، متسائلاً عن ما يحتاجه الناقد التشكيلي المعاصر ليكتب نقداً تشكيليّاً خالصاً. ويتناول النواحي التعبيريّة والجماليّة والتقانيّة، من منظور تطور الفنون التشكيليّة ومدارسها المتنوعة.

وفي مدخله إلى الفن التشكيلي السوري، يُعلن المؤلف أن كتابه هذا لا يستطيع الإحاطة الشاملة بمجمل الأسماء المهمة التي برزت منذ مطلع القرن الماضي، في مسار الفن التشكيلي السوري، وذلك لأن عملية فرز هذه الأسماء تكاد تكون مستحيلة، لا سيّما وأننا نكتشف مع إطلالة كل موسم تشكيلي تجارب فنيّة متميزة. ثم يُشير المؤلف إلى أن الهدف النهائي من جهده المتواصل يكمن في إلقاء أضواء على أكبر عدد ممكن من التجارب الفنيّة الهامة والمميزة، لأن السوري بأمس الحاجة لاستعادة ذاكرته، لا سيّما وأننا نفتقد لدور المتحف في التعريف بالتجارب الإبداعيّة المتلاحقة منذ عقود.

يؤكد الكتاب على أن عملية تحليل ورصد الاتجاهات الفنيّة في نتاجات الأجيال المتلاحقة، ستفضي إلى انطباعات سلبيّة عديدة، جوهرها أن الفن التشكيلي السوري، ومعه الفن التشكيلي العربي، لم يكن في كل مراحله المتعاقبة سوى صدى لمعطيات الفن الأوروبي الحديث والمعاصر.

فلا شيء جديدا يمكن التماسه في سياق تحليل التجارب الفنيّة المعروفة في سوريا سوى بعض الإشارات التي تتوالد من سياق الاختبارات التقانيّة، على أساس أن التعامل اليومي مع تداعيات التلوين التلقائي، لا بد أن يزيد من درجة الإحساس، وبالتالي لا بد أن يكشف عن حرارة ذاتيّة خاصة (ولو بدرجة محدودة) في نسيج السطح التصويري، من خلال اللون والخط وتكوين التشكيل العام.

وهذا يعني أن الأجيال الفنيّة المتعاقبة كانت ولا تزال تتفاعل مع الاتجاهات الانطباعيّة والتعبيريّة والوحشيّة والتكعيبيّة والتجريديّة.. وغيرها من المدارس الفنيّة الأوروبيّة، رغم أن هذه الأساليب استنفدت وتجاوزها الزمن منذ عقود.

ويبين مؤلف الكتاب أنه بالعودة إلى بدايات ظهور الانطباعيّة السوريّة في نهاية أربعينيّات القرن العشرين، نجد في مقارنتها باللوحات الانطباعيّة التي ظهرت في باريس في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، أن ردة بعض الفنانين التشكيليين السوريين الرواد إلى الرسم الانطباعي، لم تكن إلا نوعاً من التقليد أو التفاعل العفوي مع الأفكار الانطباعيّة الفرنسيّة الحديثة.

وهكذا عُرفت الحياة التشكيليّة السوريّة بمساحتها الضيقة التي لم تكن تتعدى المحترفات المحدودة الموزعة في بيوت الفنانين في أربعينيّات وخمسينيّات القرن الماضي. ويستعرض الكتاب، تجارب 374 فناناً تشكيلياً سوريّاً معاصراً، ينتمون إلى الأجيال كافةً، جلهم يشتغل في حقول الرسم والتصوير، والقليل منهم في النحت والحفر المطبوع.

 المؤلف في سطور

 أديب مخزوم. صحافي وناقد فني تشكيلي. يتابع الحركة التشكيليّة السوريّة منذ عقود. ينشر مقالاته في صحف ومجلات محليّة وعربيّة، ويمارس إلى جانب ذلك، إنتاج اللوحة. يُعد لإصدارات جديدة، منها: المناخ اللوني في اللوحة السوريّة، سجالات تشكيليّة في محترفات سوريّة.

 الكتاب: تيارات الحداثة في التشكيل السوري

تأليف: أديب مخزوم

الناشر: المهندس باسم حلواني- دمشق-2013

الصفحات: 503 صفحات

القطع: الكبير