يقدم كتاب «نصيبي من باريس»، لمؤلفه أحمد المديني، صورا مختلفة عن الحضارة الغربية وقلاع العلم والفن. ويدرج مؤلفه نقدا شديدا للعديد من الأعلام العربية والمصرية والمفكرين والمبدعين، الذين هاجموا الغرب وسافروا إلى باريس، ولكنهم لم يجدوا فيها ما يشغل بالهم، إلا الملذات، فهاجموها وعاشوا داخل «غيتو» أفكارهم، وهي صورة مناقضة تماما للحقيقة.

ويقول المؤلف: « أكتب هذه الكلمات وأنا أحتاج إلى قدر من محايدة نفسي. فلا أجعل حاضري يسقط مع الريح مع الحفاظ على براءة الماضي والبدايات. فدائماً ما نحصل من الحياة على قدر بسيط هو نصيبنا الذي نقنع به قهراً، لكن حين نحوله إلى حياة كاملة، بما فيها من الثقافة الباريسية والعقل العربي، فذلك ما سطرته هذه الأوراق لتجمع في كلماتها حياة الكاتب، وتذكر نصيبه من باريس وما كان بها من أحداث».

يبدأ المديني رحلته في الكتاب، بالكلام عن مولده ونشأته في بلدة زاهرة ضمن إقليم الشاوية الخصب في المغرب الأقصى، لعائلة ميسورة، وفي بيت علم وفقه ومحتد، ذي أصل وفروع وزرع، ذلك وقت استقلال المغرب، ومن ثم هجرته إلى الدار البيضاء، ومنها إلى فاس المعنونة آنذاك، كما يقول الكاتب - في العاصمة العلمية لوجود جامعة القرويين: وما كانت فاس آنذاك، منفى، وإنما أقرب إلى مقام منكفئ على نفسه يراود الكلام، وليس له من صلة بالأنام، إلاّ الضروري من ما لاغنى عنه.

يتحدث المديني عن هجرته الثالثة إلى الجزائر فالعودة إلى المغرب، وعن أول مرة يسافر فيها إلى باريس التي جعلها عنواناً لكتابه. وفي هذا السياق، يرصد التناقض الذي يعيشه العرب، وهم يهاجمون الغرب ويلعنونه، صباح مساء، ومن ثم يحلمون بالسفر إليه والإقامة فيه، هذا الغرب اللعين المحبوب والممقوت معاً. فأي تناقض غريب ومشاكس هذا الذي عشناه، بل ما ننفك نحياه.

ويستعرض المديني في كتابه، حول بعض الكتاب والأدباء الذين زاروا باريس في مطلع القرن العشرين، وكتبوا عنها، ما يسميه ببلوغرافيا طويلة تتوزع بين تعبيرات مختلفة، رحلية سفارية، روائية وقصصية فاستطلاعية تحقيقية، تراوحت بين الفهم والتقويم والوصف والذوق، صادرة عن أفراد مختلفي المشارب الثقافية، متبايني المقاصد من رحلاتهم الغربية فإما هم فقهاء وعاظ ومربون:

رفاعة الطهطاوي، وأحمد فارس الشدياق. أو سفراء حاملو رسائل إلى البلاطات: محمد الحجوي. أو مهاجرون مقيمون: الشيخ سانوا أبو نظارة. أو طلبة باحثون : طه حسين، زكي مبارك. أو مؤرخون وانطباعيون: عبد الهادي التازي. أو أدباء: يحي حقي، سهيل إدريس. أو إعلاميون: محمد باهي.

ثم يتناول المؤلف الشخصيات العامة التي التقاها في باريس. فيتكلم عن شخصية جمال الدين بن الشيخ، مبينا كيف تحولت شقته إلى ملتقى للباحثين العرب والمفكرين الوافدين إلى باريس. أما أحمد عبد المعطي حجازي، الشاعر المصري، فيحكي أحمد المديني قصته معه، منذ تعرف إليه في المغرب، وهو يتحدث عنه برفقة صديقه محمود أمين العالم، الذي يصفه المؤلف: « إنه، وإن تميز بالدماثه، إنما بقي منكفئاً على أفكاره ومعتقداته الجامدة، مثل جل الماركسيين العرب يومئذ».

ويضيف أحمد المديني: والحق، إني لا أعرف ماذا أفاد هو ولا حجازي نفسه، من إقامتهما بفرنسا فكرياً وشعرياً، إذ ان هذه الاستفادة لا بد أن تظهر.. في أعمال أصحابها بالتأثر والاقتباس ودعك من الإشباع والتمثل«. أما حجازي منفرداً، فيقول عنه أحمد المديني: » ومعروف أن حجازي كان قومياً في عروبته، مقرباً من أدباء العراق وسياسييه الوطنيين..

ومن النظام نفسه، يحظى في بغداد، سنوات الإقامة الباريسية وبعدها، بالترحاب كله، وفي باريس خاصة، عاش برفقة اثنين من هؤلاء، هما : فاضل الشاعر والشاعر سامي مهدي«. ويتحدث المؤلف، في هذا الخصوص، عن مجموعة من المبدعين، بينهم: محمد عابد الجابري، إذ يصفه المديني بأنه، رغم تقدميته لم يحاول مغادرة الخط الذي ارتضاه لنفسه فكريا :

الحق أني لم أعرف مفكراً ولا أدبياً دخل قالباً ولم يخرج منه مثل الجابري، كل هذا وهو متحرر وتقدّمي وديمقراطي كبير، وفوق هذا هو ابن رشد العرب في العصر الحديث، غير انه كان مثل سكان الإيسكيمو، الذين رغم قربهم من عالم المدنية الحديثة، رفضوا تغيير نمط حياتهم، لكي لا ينهار عالمهم ».

 المؤلف في سطور

 أحمد المديني. أديب وروائي مغربي. لديه العديد من المؤلفات، بينها : زمن بين الولادة والحلم (رواية)، العنف في الدماغ( قصة)، أيام برازيلية ( كتاب رحلات).

 

الكتاب: نصيبي من باريس

تأليف: أحمد المديني

الناشر: الدار المصرية اللبنانية- القاهرة 2014

الصفحات: 280 صفحة

القطع: المتوسط