يتناول كتاب "نيوتن يصعد إلى التفاحة.. تأملات في المشهد الثقافي الجزائري"، لمؤلفه الشاعر والروائي الجزائري عبد الرزاق بوكبة، قضايا برسم المرض، كما يقول المؤلف، تعانيها الحياة الثقافية في الجزائر، إذ تدرجت في سلَّم الترقي حتى وصلت درجة (سلطان)، بعد أن كانت عبداً.
وصارت تمارس شهوتها في ممارسة الاستبداد، ففي سلطان الفراغ، يرى بوكبة أنَّه من الخطأ أن نفهم أنَّ الأمن القومي للبلاد، يعني حماية الحدود الترابية من أي اعتداء أجنبي فقط، ونترك حدوداً ثقافية ومعنوية مفتوحة على الفراغ، في ظل عالم يقتنص كل فراغ ليملأه بمقولاته التي ما إن نتشرَّبها بعيداً عن وعي الاختلاف، حتى نصبح تابعين له معنوياً، ونحن نحمل بطاقات هوية جزائرية.
وفي ممارسات سلطان التشويه، يؤكد بوكبة أنهم كانوا في الجزائر يصحون صباحاً، في التسعينيات من القرن الماضي، فنجد منشوراتٍ علَّقتها على الجدران الجماعات المسلَّحة "لا ذكرها الله بخير"، كما يقول، تدعو فيها إلى ما تدعو من دعوات الرعب. ويضيف: "وكنا لا نستطيع أن نقرأ ما فيها خوفاً من رجال الأمن، ولا نستطيع أن نمزقها خوفاً من رجال الموت.
وها نحن اليوم بعد تجاوزنا تلك المرحلة، بتنا نجد على جدراننا منشورات لأحزاب معتمدة. فلا نستطيع أن نقرأ ما فيها لتفاهتها، ولا نستطيع أن ننزعها لأنَّ الغراء المستعمل في تثبيتها من ذلك النوع اللاصق جداً، فما الفرق بين المرحلتين. إلا أنَّ الكذب على الناس كان يمارس يومها من طرف جماعات محظورة، بينما يمارس اليوم من طرف جماعات معتمدة؟".
وأما في ما يخص "سلطان الأنانية"، فيقول المؤلف: "جلست مع نفسي قليلاً أضع قائمة بأسماء الكتَّاب الجزائريين المشهورين، فلم أتوصل إلى نتيجة، بل إنني وجدت أنَّ هؤلاء الكبار كانوا سيقدمون خدمة جليلة لهؤلاء الصغار لو أنَّهم التزموا الصمت وتركوهم بسلام".
وفي سلطان الغيرة، يروي المؤلف أنَّه حضر أمسية أدبية في تونس، ولفت انتباهه تقاليد رائعة، يفتقد إليها المشهد الأدبي الجزائري، تدخل في إطار ثقافة الاحتفاء بالكاتب بغض النظر عن جيله.
وفي سلطان القذارة، يتساءل المؤلف: "ما الذي يجب أن يفعله مثقف حر وحقيقي، حتى يكتسب مناعة قوية ضد أوبئة المشهد الجزائري في تجلياته المختلفة؟ فهل عليه أن يهاجر مثل ما فعل أركون وديب وجبار وسكيف، وغيرهم من الأمخاخ الجزائرية في المجالات كلها؟ ع
لماً بأنَّ الهجرة ربما لا تكون متاحة له، وإن أتيحت، فليس مضموناً أن تكون مثمرة بالضرورة، أم يبقى في الداخل، فيكون معرَّضاً لكل المساومات التي إن لم تجرده من التعبير، فإنها مبرمجة على أن تجعل تعبيره صرخة في واد لا أحد يسمعه، إذ تشترك كل المنابر في التضييق على صوته، حتى التي تدعي كمونها مستقلة وديمقراطية.
أما في سلطان الشراهة، فيورد المؤلف أمثلة متنوعة، معاشة ومجربة. وفي سلطان الإنصاف، يُصاب بوكبة بالدهشة من موت وردة الجزائرية، الذي تحوَّل إلى موضوع مشترك، يتحدث عنه الجزائريون، بغض النظر عن طبيعة ما كان يُقال عنها. إذ تضاربت الآراء فيها مثل ما تضاربت في الرئيس أحمد بن بلة والجنرالين العربي بلخير ومحمد العماري قبل مدة.
وما أثار انتباهه أنَّ معظم الشباب الذين قالوا إنها ليست جديرة بالحزن عليها، لم يكونوا يحتكمون إلى المقياس الفني، بل الأخلاقي المنتشر في المحيط، هي فنانة.
وفي سلطان الأمية يسأل المؤلف أحدهم باللهجة الجزائرية: "علاش ماتروح تقرا؟"، فيجيبه من غير أن يرفع عينيه ويديه عن كيس الخبز اليابس: "واللي قراو واش دارو؟"، ويعقب: "جواب مرعب".
المؤلف في سطور
عبد الرزاق بوكبة، شاعر وروائي جزائري. أمين تحرير مجلة "الثقافة"، الصادرة عن وزارة الثقافة. معد ومقدم برامج ثقافية في الإذاعة الوطنية وفي التلفزيون الجزائري 2005 ـ 2009، ومشرف على فضاء صدى الأقلام للمسرح الوطني الجزائري. حاصل على جائزة رئيس الجمهورية في الشعر 2007. من مؤلفاته: أجنحة لمزاج الذئب الأبيض.
الكتاب: نيوتن يصعد إلى التفاحة.. تأملات
في المشهد الثقافي الجزائري
تأليف: عبد الرزاق بوكبة
الناشر: دار التنوير الجزائر 2013
الصفحات: 148 صفحة
القطع: المتوسط
