يبحث كتاب «يا ليل» لمؤلفه العلامة خير الدين الأسدي (1900 1971)، عن جذور كلمة «يا ليل». إذ يشدّ المؤلف الرحال إلى كثير من مدن العالم، ويجالس الكتاب والعلماء والموسيقيين والمغنين ومديري الإذاعات وأمناء المتاحف والمكتبات. ولكنه لا يحظى ولم يحظ منهم بجواب يشفي النفس ويقر العين.
ويروح الأسدي ليجمع كل ما يتعلق بكلمة الليل في الشعر والغناء والقصص والحكايات، عند القدماء والمحدثين، فيسأل رجال الدين عن معناها. ويذهب العلامة خليل مردم بك إلى أن أصل الكلمة «يا لَيْليَ» نداء علم للنساء، تغنى به العرب، ثم لما طرقت الكلمة ديار فارس آذن رسم الكلمة بالياء، فرددوا في غنائهم «يا ليلي» وساد هذا اللفظ في الغناء.
ويرد الأسدي على ذلك بأن كلمة «ليلى» ذاع استعمالها كثيراً كعلم، عند السعدي وحافظ وجلال الدين الرومي، وقصة مجنون ليلى معروفة لدى القارئ الفارسي.. وبعد مراجعته مصادر تاريخ غناء العرب، يقول المؤلف: «لم يقم بين يدي هذا المذهب حجة ما تدعمه أو تحمل على الاستئناس به».
لا يكتفي بذلك بل يداور الكلمة في القبطية، ويتتبّع دارسيها ويورد كل رأي سمعه أو قرأه، من الأفراد أو الجماعات، من العلماء والبسطاء، يدرس (المواليا) وأصولها وجذورها فينقل رأيا عن «حاشية الكعبية في هذا الخصوص.
ويخلص بعد عرض هذا الرأي ثم مناقشته، إلى أنه يظن أن لازمة الموال الشرقاوي» يا يابا «عدول عن» «يا مواليا!»، وجنح إليه الأشراف أو قل غير الموالي، جنحوا إليه بعد أن تبوّأ الموال مكانه في الغناء العربي، فكأنما أقاموا الأب أو الأب المنسوب إليهم مقام المولى، إيذانا منهم أنهم ليسوا بالموالي. «فإذا كان الموال من المواليا، جاز أن نحكم أن (ياليلي) تحدرت من (يا موالي) محرفة مطورة».
يعرض الأسدي لما قاله هنري ج. فارمن في «تاريخ الموسيقا العربية» لفارمر: تحدثنا نقوش أشور بانيبال (القرن السابع ق.م) أن أسرى العرب، كانوا، وهم يحرثون لدى سادتهم الآشوريين، يمضون ساعاتهم في أغاني «أليلي Alili» ويتلهون بموسيقا نينجوتي Ninguti (النجوى)، فيدهش الآشوريون ويطلبون الزيادة منها.
ويقول الأسدي: يقيني أن «أليلي» استفاضت في عهدها هذا على الألسنة وطغت طغيان الأمثلة السائرة، وهنا العبيد والغلمان، وهناك الحراثة وهنا جني التمر وسقي الماء ونحوها، وهناك مسرحها العراق وهنا كذلك.. حقاً إن التاريخ يعيد نفسه «استفاضت» أليلي «حتى بلغت واسط، فأبدلها العبيد والغلمان بكلمة تدانيها، فقالوا: يا موالي! أو «يا مواليّا» استرضاء لسادتهم، لكن «أليلي» أبت أن تتأثر بـ«يا مواليا» فما لبثت هذه أن دالت دولتها لتسود «أليلي» وظلت تطوي العصور إلى يومنا هذا، بعد أن أبدلت قبعتها الآشورية بالعقال العربي، فكانت «يا ليلي».
وتظهر «يا ليلي» في الموشحات والزغاريد وفي شديات حلب، وفي الغناء الفارسي والكردي والتركي والأرمني والقوقازي والعبري والغربي.. إن دولة (يا ليل) السامية تمتد من مراكش فشمال إفريقيا. وربما تتوغل في وسطها في كل أنحاء الأرض العربية، فإيران وأرمينيا وتركيا والقوقاز وسائر أوروبا.
ويحتمل أن تصل إلى أميركا، وعمر دولتها يترامى إلى 27 قرناً. وندرك مع الكتاب، كم بذل الأسدي وهو يقلّب وجوه الكلام ويأتي بآراء العلماء من القدماء والمحدثين، وينقب في المكتبات وفي الآثار، ليوصل إلينا الحقيقة التي يبغيها.
المؤلف في سطور
العلامة خير الدين الأسدي (1900 1971)، باحث وكاتب سوري راحل. ولد في حلب. درس على يد كبار علمائها. كان أبوه يريد له أن يكون عالماً في الدين، ولكنه مال إلى اللغة وسمّى نفسه (حافظ القرن العشرين)، ويعتقد أنه شبيه التوحيدي وكان يجله. أتقن لغات عديدة، منها: التركية والسريانية والفرنسية. قدم دراسات ومؤلفات متنوعة في حقول الفكر واللغة والأدب، أثرت المكتبة العربية.
الكتاب: يا ليل
تأليف: خير الدين الأسدي
الناشر: وزارة الثقافة في سوريا دمشق 2013
الصفحات: 454 صفحة
القطع: المتوسط
