يرصد كتاب "حوارات في المسارات المتعاكسة.. تحولات المثقف اللبناني منذ ستينيات القرن العشرين"، لمؤلفته ثناء عطوي، ماهية الاختلاف والتحول في مواقف نخبة من المثقفين اللبنانيين، إزاء جملة قضايا مجتمعية محورية. وعلى رأسها المسائل السياسية. ومن ما تقوله المؤلفة في مقدمة كتابها: "غادر الكثير من المثقفين مواقفهم المعارضة إلى ملاعب السلطة، أو الأحزاب أو المنظمات الثورية.
انزلقوا إلى تموضعات وإلى عصب وجماعات. استدرجتهم محاولة اختيار فعالية الانتماء إلى النظام الطائفي والكيانية اللبنانية وقضايا إقليمية عدة. وقدم بعضهم المسألة الطائفية على قضايا الوطن". وتضيف ثناء في موقع آخر: "لا يمكننا أن نفهم مغزى هذه التحولات إلا في سياق التطور السياسي الذي مرت به المنطقة في النصف الأخير من القرن الماضي.
إذ تغيرت خلال العقود الخمسة الأخيرة، بنية المجتمع العربي نفسه، وواكب ذلك ظاهرة تنقل المثقفين من موقع إلى آخر، ومن فكر إلى نقيضه.. نتحدث هنا عن شريحة، خرج معظمها من رحم الحركات القومية العربية والناصرية والبعثية واليسارية. كانت التيارات السياسية عبارة عن حركات مثقفين ومناضلين".
وتختم: "لا نسعى هنا إلى سرد سير، بقدر ما هي محاولة لقراءة الظروف التاريخية التي تأثرت بها بنية المجتمع اللبناني نفسه، وقراءة في فكر الاختلاف، في الثابت والمتغير، الذي حدد خاصية المثقف اللبناني وتموضعاته".
وتبدأ المؤلفة كتابها، في حوار مع الكاتب حازم صاغية، كاشفة في الحوار معه، أنه لا يفخر بماضيه السياسي.. فـ "مرة قومي سوري، ومرة خميني، ومرة بعثي...". وتحاول المؤلفة في أسئلة الحوار إلقاء الضوء على شخصية وحياة وإبداعات ورؤى صاغية، تماماً كما تفعل مع المثقفين الآخرين الذين يضمهم هذا الكتاب. وتستهل ذلك بتبيان حقيقة المواقف التي كان قد اتخذها صاغية وكيف تنقل من الانضواء في تيارات عدة وصولاً إلى الماركسية التي جعلته لفترة، في قطيعة مع أي من البيئات والتيارات الأخرى.
وتصدر ثناء محطة الكشف في حوارها مع روجيه عساف، كما غيره ممن يضمهم الكتاب، بخلاصة مهمة، فحواها قوله (وهو المسيحي طبعاً): "لم أعتنق الإسلام بل اكتشفت إنني مسلم".
وتستعرض المؤلفة في الحوار، بداية مشوار حياة وإبداع عساف، مبينة مسيرته المسرحية الحافلة ومغادرته إلى فرنسا.. ومن ثم تسلمه بعد عودته من باريس ودراسته المسرح، مسؤولية المركز الجامعي للمسرح. وتطلعنا ثناء، في تفاصيل لاحقة بالحوار، على المواجهات التي خاضها عساف بفعل رقابة ومنع السلطة.
وتنتقل المؤلفة إلى المثقف اللبناني فواز طرابلسي، فتقدم لنا في الحوار معه، جملة معلومات ثمينة، نلج معها إلى عمق فكره ومحطات مواجهاته وحياته كاملة. وتقدم ثناء للحوار المعرف بطرابلسي بقوله: "ارتكبت أخطاء نعم. ولست نادماً.. خسر اليسار المعركة الثقافية". وتعرف المؤلفة بالتاريخ الحافل لهذا المثقف الماركسي. الذي طالما انشغل بالقضايا السياسية المختلفة.
تعقب المؤلفة حوارها في محطة الطرابلسي، بإضاءة معمقة على سيرة حياة وآراء ومواقف دلال البزري.. والتي تلخص لنا جوهر ما تذكره في الحوار: "حصر حركة التحولات باليسار، هو دليل على حيوية البيئة اليسارية وقدرتها على إنتاج النقد من داخلها.
وتتوسع أجندات التعريف والكشف في محطة الحوار في الكتاب، مع عباس بيضون. إذ تقودنا أسئلة المؤلفة إلى ثنايا وعوالم متعددة ومتنوعة، نطرق فيها أدق التفاصيل المعرفة برؤى ومواقف وتوجهات هذا المثقف. وتصدر ثناء الحوار بقول بيضون: "تآمرنا على البلد والدولة، تورطنا وقبلنا بســلاح أسس للحرب الأهلية.. مثقفو منظمة العمل الشيوعي شكلوا العنصر الأساس في التحول الثقافي".
لا تقف حوارات ثناء في الكتاب، عند هذا الحد، بل تضمن الكتاب جملة حوارات تعريفية كاشفة، أخرى، نتعرف فيها على مواقف ورؤى وتحولات باقة من أبرز المثقفين في لبنان، وهم: الفضل شلق، السيد هاني فحص، توفيق هندي، محمد عبدالحميد بيضون.
كما تردف المؤلفة حواراتها، ببطاقة تعريفية شاملة ووافية، تقدم سيرة ذاتية مقتضبة عن كل من هؤلاء المثقفين.
المؤلفة في سطور
ثناء عطوي. كاتبة وصحافية لبنانية. لديها دراسات ومقالات متنوعة.
الكتاب: حوارات في المسارات المتعاكسة.. تحولات المثقف اللبناني منذ ستينيات القرن العشرين
تأليف: ثناء عطوي
الناشر: بيسان - بيروت 2013
الصفحات: 264 صفحة
القطع: الصغير
