يحاول كتاب "مقاربات تطبيقية في الأدب المقارن"، لمؤلفته الدكتورة ماجدة حموّد، إثبات كون الأسطورة شكلّت فضاء الأدب الحديث بأجناسه المختلفة، وامتد أثرها إلى علم النفس. وتوضح المؤلفة في هذا الصدد، أن كثيراً من النقاد المحدثين يرون أنه من جماليات الرواية الحديثة، عملية بنائها أسطورياً.
فأسطورة "بيغماليون" تأثر بها كثير من الأدباء، وأول من تحدث عن ذلك أوفيد الروماني، في قصصه "المسخ"، ثم تناولها شعراء وكتاب، وخاصة من الإنجليز، كالشاعر جون مارستون في قصيدته "نفخ الروح في صورة بيغماليون". وكانت هذه الأسطورة موضوعاً أثيراً في عصر النهضة، ثم في العصر الحديث.
وتبين ماجدة، أنه ظهرت مسرحية "بيغماليون" لبرنارد شو عام 1912، إذ أبرزت معاناة الفتاة "أليزا" في صعودها من طبقة فقيرة إلى طبقة غنية.. كما تشرح المؤلفة مدى تأثير هذا العمل على إبداع توفيق الحكيم في أحد أعماله، وذلك طبقا لاعترافه.
وتتناول ماجدة أثر أسطورة "بيغماليون" في أنموذج القصة السورية، للكاتب جورج سالم، في مجموعته "عزف منفرد على الكمان". إذ بدا واضحاً هذا الأثر في قصة "الينبوع"، التي تتحدث عن إنسان دخل متحفاً فرأى تمثالاً لامرأة تحمل في يدها وعاء، ويحس أن التمثال ينظر إليه ويبتسم له، يمسك بيدها..
ويشعر بنبض عروقها، يشرب من إنائها، ويغرق في أوهامه.. تحوّل التمثال إلى زوجة له، ويلتقي في هذه القصة: الحلم بأسطورة "بيغماليون".
وتنتقل المؤلفة لتستعرض هذه المسألة في رواية غسان كنفاني "ما تبقى لكم"، وتجدها تمثل إنجازاً كبيراً في الرواية العربية، وهي متأثرة برواية وليم فوكنر "الصخب والعنف"، وترصد كلتا الروايتين، حدثاً واحداً: انهيار أسرة بكاملها، بسبب الحرب وانتصار المعتدين، لذلك تنهار القيم والمثل العليا وتتمزق الأسرة.
تؤكد ماجدة أنه ظهرت المؤثرات الوجودية في القصة السورية، مع أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، ومن أهم المقولات التي جاء بها الفكر الوجودي: العبث وعرضية الوجود الإنساني والموت. لذلك سيطر هذا الأدب القلق والاغتراب والعزلة والإحساس بالعدم. وتشير في السياق إلى أن المقارنة بين رواية "الغريب" لألبير كامو، ومجموعة "صهيل الجواد الأبيض" لزكريا تامر، تتركز على أسس فكرية متأثرة بالفكر الوجودي، ولو تأملنا فترة الخمسينيات والستينيات، للاح
ظنا شيوع التأثير الوجودي لدى معظم الكتاب السوريين، أمثال: مطاع صفدي، غادة السمان، جورج سالم. وتحلل المؤلفة مديات التأثر في هذه المسألة تحديداً، موضحة أن المقولات الأساسية لدى أبطال قصص زكريا تامر تكاد تلتقي مع المقولات الوجودية لدى بطل "كامو"، ومن بين أبرزها: فكرة العبث، مقولة الحرية، مقولة الموت، مقولة رفض العمل.
وتجد هنا، أنه لعلّ من أسباب خصوصية زكريا تامر، كونه قدّم لغة قصصية مدهشة، لم تعتدها جماليات القصة العربية، لغة أشبه بلغة الشعر، ذات غنى في دلالاتها، نظراً لما تكثفه في اعتمادها على المجاز والتصوير وعمق المعنى، كما استطاع أن يجسد هموم الإنسان العربي عبر لغة شعرية تنزف قهراً.
إذ نتبين لدى "غريب" زكريا تامر، الحيادية والجمود اللذين لمسناهما لدى "غريب" ألبير كامو، حسب المؤلفة. ولكننا نلاحظ وجود بعض الرفض الداخلي لدى "غريب" تامر، لسيطرة الأفكار الوجودية على حياته بشكل مطلق، ولعل من بين ما أسهم في جاذبية هذه المجموعة القصصية، تلك الغرائبية في التخييل التي تصل حدّ الإدهاش.
المؤلف في سطور:
الدكتورة ماجدة حموّد. كاتبة سورية. نالت الدكتوراه في الأدب من جامعة دمشق. لديها دراسات وأبحاث متنوعة.
الكتاب: مقاربات تطبيقية في الأدب المقارن
تأليف: الدكتورة ماجدة حموّد
الناشر: اتحاد الكتاب العرب – دمشق 2012
عدد الصفحات: 160 صفحة
القطع: المتوسط
