يروي كتاب" كلمات مختارة"، لمؤلفته نبيلة فارس، خلاصة تجاربها الحياتية. إذ تبين أنها المرأة اللبنانية الأولى التي تبوأت منصب "مختارة" بلدية الرابية بمرسوم جمهوري عام 1985. وتدر نبيلة في الجزء الأول من كتابها، خلاصة تجاربها في الحياة، بما فيها من دروس وعبر ومواقف، ذلك ليس طمعاً في إبراز الذات أو لحقد دفين على حياة جرحتها بظروفها القاسية، بل ليقينها أن الإنسان يرحل ويبقى فكره متألقاً فوق..ليحكم الأرض التي عاش عليها يوماً ما، والمثير ابتعادها عن تلقين المواعظ والتزامها بالإرشاد والتوجيه، الذي تعده يد المساعدة الإلهية من خلال الإنسان الآخر، لتشدنا إلى حيث نستطيع مواجهة الحياة بثقة وعزم.
"الحب والإيمان والألم والذكاء". تلك هي التوليفة والمجموعة المنتظمة التي شكلت عصارة الخبرة الحياتية لدى نبيلة فارس، كما تذكر، إذ كان الحب وسيلتها لتخطي الذات وفهم الآخر والمجتمع والطبيعة، أما الإيمان فهو لدى نبيلة الدرع الواقية التي تحتضن الذكاء والثقافة، وتضعهما في بوتقة واحدة تنشر شعاعاً قوياً يروض الإنسان ويُبطل ما فيه من شواذ غرائزه الدنيوية الضعيفة..
في حين أن ألمها نابع من تمزقها بين الواقع والخيال، ويبقى الذكاء في الحياة هو الذكاء الحقيقي في نظرها، ففيه يعرف الإنسان حدوده وأبعاد معرفته ومعرفة الآخرين وطرق التعامل . وتعبر الكاتبة عن كل ذلك بلغة بسيطة وسهلة ومباشرة، ما يشعر القارئ أن أمامه كتاباً قيماً يخاطب عقله وعاطفته، في آن واحد، وذلك حتى آخر صفحة فيه.
يتضح من خلال الكتاب أن "المختارة" نبيلة فارس، لم تكتب خواطرها ويومياتها بدافع الظهور، بل إن خوفها من ضياع الذاكرة أو الرحيل شعور يتبدى في أدق تفاصيل قصصها، إذ حرصت على تدوين مشاهد ومواقف. ولم تترك شيئاً في الحياة إلا وعالجته بمبضع الحكيم ذي التجربة.. والباحث الاجتماعي المتعمق في محبته للآخر.
إن في إهداء "مختارة" الرابية كتابها: لابنتها الشابة سلمى، سر لا يكتشفه القارئ إلا في الصفحة 374، حيث أرادت نبيلة أن تنقذ ابنتها من الضياع بين التزمت والتطور.. واتباع إيدولوجيات، اما ان تجعل الشباب ثائرين رافضين لأُطر المجتمع أو راضخين بلا اجتهاد شخصي، وتقدم ذلك ذلك من خلال خبرتها المتواضعة في مجاري الحياة التي لا تَقطُّعَ فيها، بل تقاطع ومفترقات يوجد أمامها الشخص الآخر، الإنسان الذي مشاها من قبل، وهو الأعرف بسبلها الملتوية، وتعاريجها المتشعبة، ليدل البقية على على مسالكها ومفارقها، أوعارها وعراقيلها.
وعن الفرق بين ثقافة الكتب وثقافة الحياة، تؤكد نبيلة أن ثقافة الكتب والمعاجم ليست سوى مرحلة إعداد لشخصية الإنسان الحياتية، وليس أدل على ذلك من أجدادنا الذين ما انفتحت أمامهم سبل العلوم المدرسية، بل استقوا من الأمثال الشعبية المتوارثة أسس المعرفة، وبنوا عليها ثقافتهم الخاصة التي أعيت مفكرين وأدباء وشعراء ورجال دين ودنيا، عظماء.
وبالتالي أعطت حضارة لبلدهم، لا زلنا نستقي منها المعرفة. أما ثقافة الحياة فهي جوهر الإنسان، والجوهر هو حجر الارتكاز، والحد الفاصل بين الإنسان وغيره من المخلوقات. وتجد المؤلفة أن الحياة هي معلمتنا الكبرى، إذا عرفنا كيف نصغي إلى تعاليمها، فكلامها ليس بمسموع، بل إنه كلام ضمني ينبع من داخل كل واحد منا، ومن صمت وإصغاء داخلي..
وتحليل شخصي وبعد عن التشويش اليومي. فكل منا يعيش صخب المجتمع في يومياته، غير انه ما لم يتوقف مع ذاته لفترات، ليجعل من أيامه محطات يراجع فيها عالمه الخارجي، يدخل في دوامة جهنمية هي آلة معيشية لما فيه من قدرات، وتجعل منه رقماً من الأرقام العديدة في الحياة.
تتحدثت نبيلة فارس في كتابها عن الحياة أكثر بكثير من حديثها عن الموت، علماً أن النساء في مثل عمرها يستسلمن لليأس والتقدم بالعمر، ولكن طريقة فهم نبيلة للموت مختلفة للغاية، إذ ترى في كتابها أن حياة الإنسان هي التي تصنع موته، وموت الإنسان هو بداية حياته أو فنائه.
المؤلفة في سطور
نبيلة حنا جبّور. مختارة بلدة الرابية في لبنان. المرأة اللبنانية الأولى التي تبوأت هذا المنصب بمرسوم جمهوري في العام 1985. عضو مؤسس - ورئيس "الجمعية المدنية لضمان حياة الطفل في لبنان"- أكسوفيل. لديها مجموعة مقالات ودراسات وبرامج إعلامية.
الكتاب: كلمات مختارة
تأليف: نبيلة فارس
الناشر: نوفل- هاشيت انطوان- بيروت 2014
الصفحات: 524 صفحة
القطع: المتوسط
