يرصد كتاب «من جورج واشنطن إلى أوباما»، لمؤلفه حسين كنعان، تطور الحياة السياسية الأميركية. ويعري المؤلف أنَّ الجميع، من دون استثناء، يعترف بأنَّ الولايات المتحدة وُلدت عظيمة يوم اكتشافها. وتطلعت إلى العظمة يوم كَتب لها الآباء المؤسِّسون دستورها.
وأهم من كل ذلك هو أنَّ العظمة الدولية ألقيت على عاتقها بقدرة قادر، شاءت هي أم أبت. وعليها أن تتحمَّل المسؤوليات الجسام في تركيبة النظام الدولي.. وإحلال السلام العالمي. فالدستور الأميركي الذي يعطي لأميركا قوَّتها كان قد أعلن في قاعة «الاستقبال» في فيلادلفيا سنة 1777. وكانت الوجوه والنظرات مفعمة بالأمل تتطلع إلى الأمام، إلى فضاء واسع من الحرية والكرامة..
وإلى دولة ترتكز على أسس صلبة من الديمقراطية والعدالة. وهناك وُضعت وصيغت وثيقة الاتحاد، وبعدها بعشر سنوات، وفي 17 سبتمبر من سنة 1789، انتقل الآباء المؤسِّسون من صيغة اتحاد الولايات إلى صيغة الولايات المتحدة، وأعلن دستور الأمة الأميركية الذي حُفظ في وثيقة الحقوق.
والذي من مواده أن تُعطى السلطة السياسية (التنفيذية والإجرائية)، إلى رئيس الجمهورية. كما نصَّ أنه على الرئيس أن يسهر على تطبيق القانون بأمانة وثقة.. وكذا على أنَّ عملية تداول السلطة تحدد ولاية الرئيس بأربع سنوات تجدد لمرة واحدة. ولا يحق لأي رئيس أن يخدم أكثر من دورتين. وغير ذلك من الأمور والتفاصيل التي تشمل مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية ومقام الرئاسة.
ويبين كنعنان في بحوثه بشأن أميركا، وتحديداً موقفها حول وجود إسرائيل، وحسب رأي الساسة الأميركيين، فإن وجودها لم يكن حدثاً طبيعياً، ولا عملاً إنسانياً. فلولا الرئيس ترومان ونزعته الفردية لما اعترف بدولة إسرائيل من قبل الولايات المتحدة.
أما عن إعطاء الدستور صلاحيات واسعة للرئيس الأميركي في السياسة الخارجية، فإن لها دلالاتها. إذ قال يوماً بعض المتخصصين في القانون الدستوري، إنها تشبه صلاحيات (ملك) في تلك الحقبة التاريخية. ذلك أن واضعي الدستور شاؤوا منذ البداية أن تكون لهم حكومة واحدة تتكلم باسم الأمة، وتخاطب بقية الأمم والأوطان بلغة واحدة وصوت واحد.
وكان أوَّل من أدرك ما تضمَّنه الدستور في هذا الصدد الرئيس جورج واشنطن، عندما تمنى، بإلحاح شديد، على توماس جيفرسون، الرجل القوي الذي أصبح في ما بعد الرئيس الثالث للبلاد، أن يكون وزير الخارجية، ليتسلم الملفات السياسية المهمة للبلاد. ويحاول الرئيس باراك أوباما، حالياً، أن يقلِّد اثنين من الرؤساء الأميركيين: أبراهام لينكولن، الذي حرَّر الزنوج من العبودية ووحَّد الأميركيين. والرجل الثاني: فرانكلين د. روزفلت، الذي أخرج البلاد من الكساد الاقتصادي الكبير. والاثنان يصنَّفان من الرؤساء الأميركيين الأقوياء.
يشير المؤلف إلى أنه إذا عدنا إلى تاريخ الاستراتيجية الأميركية، سنجد أن هناك أربع مدارس استراتيجية مختلفة، يعارض بعضها البعض الآخر في آن، ويتعاون بعضها مع بعض في آن آخر. وقسَّم بعضهم هذه المدارس وفق السياسة التي اتبعها ولسون وجيفرسون وجاكسون وماديسون، فضلاً عن استراتيجية هاملتون، الذي كان وزيراً للمالية في عهد الرئيس جورج واشنطن.
وكان يؤمن بدولة قومية قوية، تستند إلى جيش قوي. وتجعل من سياستها الخارجية سياسة واقعية، لتحقيق المصالح القومية، إن كان ذلك في الداخل أو في الخارج. وكان الرئيس ماديسون ينتمي إلى هذه المدرسة الهاملتونية في السياسة الخارجية،.
وكان ويلسون يشاركهما في معظمها، كان يختلف معهما في مبادئ وقواعد هذه المدرسة. بينما كان جيفرسون عكس ذلك، إذ بقي يريد أن تخفف أميركا من التزاماتها وارتباطاتها ومعاهداتها الخارجية، التي يمكن من خلالها التحرر منها في المستقبل إذا لزم الأمر، ويجب التركيز على النمو الوطني، والأمن الداخلي. وكان الرئيس جاكسون يرتاب من أفكار ويلسون وهو يعتقد بأنها مثالية.
وفي الوقت ذاته كان يرتاب أيضاً من سياستي ماديسون وويلسون لأنهما كانتا ضعيفتين وخائفتين من التصدي للخارج.. ويبين المؤلف أن الرئيس باراك أوباما سيذكره التاريخ بأنه ينتمي إلى المدرسة «الولسونية» و«الكارترية» في الخارج. وأما في الداخل فإنَّه أقرب إلى مدرسة الرئيس كلينتون.
المؤلف في سطور
حسين كنعان. باحث وكاتب في قضايا الفكر السياسي. صدر له: شؤون سياسية، اللعبة الدولية، مسارات سياسية، مستقبل العلاقة العربية الأميركية، موسى الصدر قدر ودور.
الكتاب: من جورج واشنطن إلى أوباما /دراسة
تأليف: حسين كنعان
الناشر: دار النهار- بيروت 2013
الصفحات: 195 صفحة
القطع: الكبير
