يحاول كتاب «صورة الآخر في الشعر السوري(1900-1950)»، لمؤلفه الدكتور أنس بديوي، أن يرصد ملامح الصورة التي رسمها الشعراء السوريون في إبداعاتهم الشعرية لكلّ شعب أجنبي، انطلاقاً من أساسيات علم الدراسة الأدبية «الصورولوجيا». وذلك انطلاقاً من قاعدة أنه تأتي أهمية الصورة الفنية في الشعر من ارتباطها الوثيق ببنيته الفكرية.
يركز البحث على الجانب المضموني، مبيناً الرؤية بتمظهرها الثنائي، وتموضع تلك الثنائية في جملة المعنى الواصفة لصورة الآخر. وتناولها بديوي من خلال نماذج ثلاثة، ويبدأ مع صورة الآخر التركي: ويجدها اتخذت مظهرين، إيجاباً وسلباً. فمن الصورة الإيجابية، قصيدة خير الدين الزركلي في حرب البلقان سنة 1912، إذ يدعو العرب إلى التجمع حول تركيا، بوصفها أقوى هذه الشعوب، وأقدرها على قيادة المعركة ضد العدو المشترك:
هذه الحرب والكتائب ألْـــبٌ
أَفَعَمَتْ كَثْرةً فسيحَ القضاءِ
ومن الصورة السلبية: الإشادة بالثورة العربية الكبرى، فمن ذلك قصيدة محمد البزم عام 1918:
نحاول ملكاً تلبدَ العُـــلا
وتنعى على الترك طُغيانَها
ويستعرض المؤلف موقف الشعر السوري من فرنسا، موضحاً أنها أيضاً قدمت بكلا الصورتين، أيجاباً وسلباً. فقدمتها الصورة الإيجابية بلداً أوروبياً جميلاً، فيه الحسن والجمال. والنموذج هنا قسطاكي الحمصي الذي كان قد زار باريس مرات عدة، ويقول في وصف جمال باريس سنة 1913:
باريز يبدو للعيون جمالها
كالشمس ليس تسرُّها الأعراض
ومن الصورة السلبية، أنها كانت تاريخية. إذ تقدم ما يصدر عن الفرنسيين من أفعال وتصرفات لقمع الشعب، وكان ينظر إلى هذه الخاصية في كونها عنصراً توثيقياً، غير أن وظائف أخرى تضاف لتزيد من قوّة حضوره، ذلك كما وصف الشاعر خير الدين الزركلي معركة «ميسلون» في قصيدة «الفاجعة». ومن تداعيات الصورة السلبية، فضح دعوى الانتداب في قصيدة للشاعر بدر الدين الحامد في 18 مارس عام 1920. وكان حينها دك الفرنسيين مدينة دمشق، وقصف البرلمان، ويقول الشاعر:
والعبيد الطغام جاؤوا وحوشاً
كلّ وغدٍ بشفرة الذبــاح
كما كانت للأديب عبدالسلام العجيلي وقفة شعرية في قصيدة مذبحة أيار، قال فيها:
قصفت مدافعُهم وأزَّ رصاصهم
في عرس مجدك يا دمشقُ غيارى
ويبين الشاعر أنه يبدو أنّ التقدم العلمي جعل بعض الشعراء ينتصرون للغرباء، باتخاذه أنموذجاً يحتذى للّحاق بركب الحضارة الإنسانية. وفي السياق، يقول وجيه البارودي:
الغرب يبني صروحاً
والشرق يبكي الطلولا
ويجد بديوي أنه تجلّت الصورة السلبية للآخر الغربي، من خلال إبراز الجانب الإيجابي من صورة الشرق، مقابلة لما هو سلبي عند الغرب، إذ لا يرى الشاعر نصر سمعان أن الشرق غافل عن أطماع الغرب، فهو مستعدّ للثأر لنفسه:
يا غرب فافتح طارفيك ولا تنم فالشرق ثار جحيمه المتوقــــد
ويوضح المؤلف أنه لدراسة صورة الآخر الصهيوني في الشعر العربي، أهمية كبيرة، ذلك أنّ الشعر هو ضمير الأمة وجوهرها الثمين. وكان فضح سياسة الحركة الصهيونية وكشف ما تمثله من خطر على الأمة العربية، جانباً رئيسياً من الصورة التي قدّمها الشعراء للآخر. وفي قصيدة «بلادي»، التي ألقاها الشاعر عمر أبو ريشة في حفل تأبين الزعيم سعد الله الجابري سنة 1947، تتبدّى نبرة التحدي والوعيد للصهيونية، ويقول:
أي فلسطين، ما العروبة لولا
قبسٌ من سنا النبوة هادٍ
إنّ تاجاً يلفه حلم صهيــون
نضيداً على جبين الفساد
المؤلف في سطور
الدكتور أنس بديوي. ناقد وأديب سوري. درس في حمص، ونال شهادة الدكتوراة في اللغة العربية من جامعة حلب - كلية الآداب. من كتبه: أساليب التعبير في الشعر العربي المعاصر.
الكتاب: صورة الآخر في الشعر السوري (1900-1950)
تأليف: الدكتور أنس بديوي
الناشر: دار اليمامة دمشق سوريا 2012
الصفحات: 220 صفحة
القطع: الكبير
