يعرض كتاب «مرايا العاطفة»، لمؤلفته الدكتورة أمل عبدالحميد نصر، لواقع الفن التشكيلي المصري المعاصر. وتدرس المؤلفة هذا الموضوع، انطلاقاً من كون اللوحات الفنية مرآة للعواطف.
يتناول الكتاب أعمالاً لفنانين من أجيال مختلفة، يستخدمون عناصر حية من الإنسان والطبيعة والعمارة والبحر، بعد اختزالها في جوهرها المجرد وتأثيرها العاطفي والإنساني، لتبقى في النهاية، القيم الصافية أو المقطرة للفن.. وإن اختلفت من فنان إلى آخر، طبقاً للمؤلفة، بحسب موهبته ورؤيته الفكرية، وتوجهه المدرسي، بين التعبيرية والسريالية والتجريدية الغنائية.
وتقدم أمل في سياق بحثها الموضوع، مقاربة ولمحة تاريخية، تشير معها إلى أن الإنسان الأول لم يتجه إلى تصوير أبعاد مكانية مماثلة للواقع، ولم يجد ضرورة لتصوير هذا الواقع. بينما قدمت الحضارة المصرية القديمة ضرباً مختلفاً من التجريد، وهو أسلوب تسطيح الشكل وإظهاره كاملاً، وبالنسب نفسها. وهو ما يرجع إلى فكرة تلبس الروح لأشكالها بعد الموت..
أي الفن في خدمة العقيدة. كما لم تبال الفنون الهندية القديمة بالتمثيل الواقعي والنسب، بقدر الاهتمام بإبراز مشاعر الرهبة والتبجيل، وهي عندهم محاول للاتصال بقوى الطبيعة، ونقل تلك القوى إلى المشاهد. وفي الفن الصيني كانت اللوحة تصويراً لأفق متسع من الطبيعة، فالفنان الصيني يرى في الصورة المفردة لشجرة أو لطير، الصورة المجردة.. وهو إنما يرسم المعنى والصورة معاً.
وتلفت المؤلفة إلى أنه، عند اليابانيين، كان الفنان لا يعترف بالفصل بين ما يراه وما يتخيله، وحرص في الوقت عينه، على أن يكسب الأشياء صياغات مجردة، كما ابتعد عن المحاكاة. بينما قدم الفنان الإغريقي اللوحة ثلاثية الأبعاد للمرة الأولى، في تاريخ البشرية، نظراً لتأثير الفلاسفة الذين وجدوا في قوانين الهندسة حلاً لكل المشكلات.
وظل اكتشاف «المنظور» رافداً مهماً في التشكيل حتى يومنا هذا. ومع المسيحية، استخدمت الصورة لتثقيف العامة بقصص ديني.. لتبيان أن الواقع والدنيا مرحلة لاستقبال الآخرة. وهكذا أصبح التصوير وسيلة لتذكر السيد المسيح وعالم الروحانيات، والقيم الروحية.. وبالتالي لم يعد يخضع الشكل الإنساني لقالب بأبعاد الواقع الثلاثة، بل غدا يقتصر على بعدين فقط، وأغفل الفنان ما تراه العين في الواقع.
وترى المؤلفة أنه في الحضارة الإسلامية، وجد نوع متمايز من التجريد الفني، شمل الإنسان والطبيعة. فكل عناصر الطبيعة رسمت في منمنمات صغيرة ضمن سجادة أو بدت محفورة على معدن ما. وهنا سعى الفنان إلى تصوير جوهر الأشياء لا إلى محاكاتها.
تؤكد أمل في أبحاث كتابها المتنوعة، أنه يختلف التجريد في الفن الحديث الذي يفترض وجود تضاد أو تقابل أو نقل وصفي للعالم المرئي، وأيضاً مع الوجود الموضوعي للأشياء في الطبيعة. وتشدد، أيضاً، على أن تقبل المتلقي الحديث للفن التجريدي، يتجلى بحسب قدرة الفنان على تقديم عبق وجداني، ليشعر المتلقي بالتعاطف مع العمل الفني. وتقدم في هذا الصدد، نماذج تطبيقية في عدة أنماط تشكيلية.
ففي «العلاقة بين الطبيعة والتجريد»، تعرض لأعمال: صبري حجازي، عبدالسلام عيد، نعيمة الشبشيني.. وغيرهم. وفي مجال «التشخيص على ضفاف التجريد»، تعرض لأعمال عديدين، بينهم: سعيد العدوي، زينب السجيني، رباب نمر. وفي حقل «حياة الأشكال»، قدمت نماذج أعمال لفنانين كثر، منهم: محمود عبدالله.
ونلحظ في الكتاب ميزة خاصة، إذ تضم قرابة المائة صفحة ضمنه، مجموعة كبيرة من صور اللوحات التي أشارت الكاتبة إليها، وهو ما أكسبه قيمة فنية وثقافية معاً.
المؤلفة في سطور
الدكتورة أمل عبدالحميد نصر. فنانة وناقدة تشكيلية مصرية. رئيس قسم التصوير في كلية الفنون الجميلة في الإسكندرية. عضو المجلس الأعلى للثقافة. نظمت سبعة عشر معرضاً في مصر والخارج، وشاركت في العديد من المؤتمرات. لديها مجموعة دراسات في مجال الفن التشكيلي.
الكتاب: مرايا العاطفة
إعداد: الدكتورة أمل نصر
الناشر: هيئة قصور الثقافة - سلسلة «آفاق» - القاهرة 2013م
الصفحات: 251 صفحة
القطع: الكبير
