يؤكد كتاب «مصر السلفية - أزمة الهوية والصيرورة»، لمؤلفيه: مجدي عبدالهادي وأحمد صبري، أن أزمة الهوية لا تظهر إلا في مجتمع منقسم على ذاته.. مجتمع تائه بين الماضي والحاضر والمستقبل. فالهوية كما يعرفها الكتاب هي وعي الجماعة بذاتها، مشكلة بذلك الوحدة الناظمة لها والمحافظة على وجودها، لأنها عنوان الجماعة واسمها..

 وبها تتميز وتتحدد وتختلف عن أي جماعة أخرى. فالهوية تشكل موضوعاً للصراع الداخلي والخارجي، بحكم كونها أساساً لوجود جماعة أو جماعات ذات مصالح معينة. وهو الأمر الذي يلقي الضوء على معضلة الهوية والصراع، وما تخلقه من أزمة هوية نعيشها، حالياً.

يحاول أحمد صبري، رصد الظاهرة السلفية في مصر بشكل موضوعي، من خلال التوصل إلى القواعد والقوانين التي تحكم صيرورتها وتطورها وتأثيرها في الواقع، ذاك عن طريق تحديد تعريف السلفية.. والبحث في صورها في التاريخ الإسلامي، عبر الارتكاز على البعد الاقتصادي والاجتماعي، ووضع تصورات أكثر دقة لمستقبلها. فنتيجة التطورات الحاصلة في مصر بعد استقلالها عام 1922..

وتخفيف الضغط الإنجليزي والتطور الصناعي الكبير، برزت الطبقات العمالية وانتشرت الأفكار الليبرالية واليسارية، وتأسس الحزب الشيوعي المصري والحزب الاشتراكي، إضافة إلى عدة أحزاب ليبرالية ووطنية. ورداً على ذلك، سعت المؤسسات الدينية للدفاع عن كيانها ورؤيتها المتحفظة للمجتمع، إذ برز صراع فكري بين المدارس المتأثرة بالأفكار الغربية، والمؤسسات الدينية، والمتمثلة بالأزهر، وهو ما برز بوضوح حول كتاب «الشعر الجاهلي لطه حسين».

وعن تضخم الظاهرة السلفية في عهد مبارك، يكتب صبري أن مبارك ورث عن السادات «دولة رخوة» نتيجة السياسات الخاطئة لنظام السادات. ولم يدخر الرئيس الجديد أي جهد في مواصلة هذه السياسة حتى النهاية.. وهو ما زاد من حالة السخط ومنح المجموعات الإسلامية المتطرفة الكثير من الجماهيرية.

ولم يكن لدى النظام في عهد مبارك من وسائل للتعامل مع الجماعات الإسلامية التي تبنت العنف المسلح تجاه السلطة، سوى مواصلة الحلول الأمنية. فواصلت الدولة توجيه ضرباتها الأمنية لهذه المجموعات، ولجأت إلى استخدام أكبر قدر من العنف اتجاهها في الداخل والخارج، ما دفع في النهاية إلى تبني مبادرة لوقف العنف بين الطرفين عام 1997. وبعدها بدأت هذه المجموعات تراجع أفكارها حول ترك السلاح، وتحول بعض الناشطين الإسلاميين إلى مؤيدين للنظام بشكل أو بآخر.

ويتساءل أحمد صبري كيف بادرت التيارات السلفية إلى الغوص في السياسة التي كانت ترفضها سابقاً، عقب انهيار نظام مبارك؟ وكيف ظهر عدد من الأحزاب السلفية بشكل مفاجئ.. إذ طرحت هذه الإشكالية تساؤلات كثيرة حول مدلول الخطوة السلفية غير المفهومة، وتناقضها مع طروحات طالما روج لها دعاة هذا المذهب.

 فمع سقوط سلطة مبارك، تحركت التيارات السلفية في محاولة مذعورة للبحث عن أي سند تسعى من خلاله إلى عدم السماح لمصر بأن تتحرك باتجاه الانفتاح السياسي والثقافي والفكري، بما يهدد امتيازاتها التي اعتمدت على صوتها في المجال الديني، والذي سمح لها بالسيطرة على شرائح من البرجوازية الصغيرة.

ويبرر المؤلف سعي السلفيين للدخول إلى المعترك السياسي بأنه محاولة لملء الفراغ السياسي، عبر استغلال الرصيد الجماهيري الذي قامت بتكوينه في الفترتين الساداتية والمباركية. فهي حالة تعبر في الأساس، عن الذعر والخوف من التهديد الذي استشعرته هذه التيارات نتيجة انفتاح الأوضاع في مصر، ما يدفع التيارات الفكرية والدينية المعارضة لها، وخاصة التي تميل للاشتراكية منها، إلى الانتشار، ما سيؤثر في شعبية هذه التيارات السلفية، وبالتالي في كيانها الاقتصادي المعتمد بالأساس على رؤيتها الدينية.

إن النتيجة الأساسية التي يسعى هذا الكتاب إلى إثباتها هي أن الطوائف التابعة لديانة ما، تعيد إنتاج آرائها ومواقفها نفسها، مرة أخرى، بمجرد أن تجد المجال للبروز على السطح.. وبالتالي فإن مستقبلها يصاغ في صورته العامة بناء على القواعد ذاتها.. وبذا فإن التطور لا يميز تحركاتها في التفاصيل المعاصرة، في حين تتشابه إلى حد كبير، ظروف إعادة النشأة والتطور والمستقبل مع الجماعة الدينية الأم.

المؤلفان في سطور

مجدي عبدالهادي. كاتب وباحث مصري. لديه دراسات متنوعة في الحقول المجتمعية كافة.
وأحمد صبري. كاتب متخصص في القضايا الاجتماعية والدينية. قدم أطروحات ومؤلفات كثيرة في الحقل.

 الكتاب: مصر السلفية.. أزمة الهوية والصيرورة
تأليف: مجدي عبدالهادي – أحمد صبري
الناشر: النشرة الإلكترونية المعتمدة - القاهرة 2013
الصفحات: 170 صفحة
القطع: المتوسط