يُقدِّم كتاب "صحفي في صميم حرب الجزائر"، لمؤلفه روبير بارا، شهادة حيَّة عن تجربة إقامة بارا في الجزائر مع الثوار، إبان فترة الاحتلال الفرنسي لها. ويمثل الكتاب، شهادة موجعة وصادمة، إذ يوصف مؤلفه بالشاهد الذي لايُطعن في شهادته. ويقول: لم أكتشف الجزائر حقيقة إلا بعد مرور أربعة عشر عاماً، أي في سنة 1952. كنت أحضِّر مقالاً عن حياة إخوان وأخوات يسوع..

رحلاتي العديدة إلى الجزائر والجنوب الوهراني سمحت لي بمعاينة المأساة التي يرزح الجزائريون تحت وطأتها هناك. كانت سياستنا الاستعمارية في مستوى سياستنا العالمية، علمنا بأن في اسطيف وهي مدينة جزائرية، وفي مايو 1945 أُخرج عدد كبير من أسرى الحرب الألمان والإيطاليين وأُلبسوا لباس اللفيف الأجنبي ليشاركوا في حملات القمع ضد الأهالي المسلمين، الذين حاولوا فقط التعبير بالتظاهر عن رغبتهم بالحرية، في ذات اليوم الذي احتفل فيه بانتصار الحلفاء على ألمانيا النازية...".

ويضيف:" ولست أبالغ إنْ قلت بأنَّ ما سُمي بأحداث أوَّل نوفمبر 1954 لم تفاجئني، بل استشعرت وقوعها. فسقوط ديان بيان فو وخطاب قرطاجة، والاضطرابات في المغرب، كلها مؤشرات توحي للوطنيين الجزائريين بأنَّ منعرجاً هاماً بدأ في سياسة فرنسا الاستعمارية.

وكانت عمليات أوَّل نوفمبر- بداية الثورة الجزائرية- بمثابة إشارة إنذار، لفتت انتباه المسؤولين الفرنسيين إلى خطورة المشكلة السياسية الجزائرية. فبعض القادة الفرنسيين الذين زرتهم قالوا لي: ليس بهذه الطريقة سيتمكَّن أصدقاؤك من كسب الرأي العام".


ثمَّ يذكر المؤلِّف أحد قادة ثورة الجزائر: رابح بيطاط، الذي التقاه في فران. ويبين أن أحد مفتشي مديرية الأمن الداخلي الذي كُلِّف بالتحقيق مع بيطاط، الذي اعتقل في مارس 1955، وقال له: "سنعدمك. أنت ورفاقك كانت لديكم الشجاعة للمرور إلى العمل المباشر. وبفضلكم ستنال الجزائر استقلالها، لكنَّكم ستدفعون ثمنه غالياً. وستُعدمون كلكم : بن بولعيد، بن مهيدي، عبَّان رمضان. وسيموت من الشعب الجزائري مليونان أو ثلاثة ملايين".


ويروي روبير بارا، أنه وخلال أيام منتصف شهر أكتوبر عام 1954، جاء ضابط برتبة نقيب ليُظهر لمجموعتهم المكوَّنة من حوالي خمسين شخصاً، بين مسؤولين رسميين وصحافيين، الأسلحةَ التي استرجعوها أثناء تمشيط دوار مجاور".


ويتحدث المؤلف عن لقاء رُتِّب له مع عبَّان رمضان، رأس المنظمة الوطنية السرية الجزائرية، ولقاءً آخر مع السرجان أوعمران، قائد المجاهدين في (القبائل)، الذي كان ضابطاً برتبة ملازم في الجيش الفرنسي.
ويستعرض المؤلف كيفية بدء تصاعد عمليات الثوار.

وكذلك تفاصيل تلك المرحلة التي اخذ يعلو فيها نفيرهم القتالي ويحققون الانتصارات، الأمر الذي صار يشكِّك السلطات الفرنسية بكل فرنسي له علاقة مع المجاهدين. فقطعت كل المحادثات مع الثوار، وصارت العقيدة الرسمية الدائمة للحكومات الفرنسية المتعاقبة. ومنذ شهر أكتوبر 1955، كما يقول روبير بارا:

"بدأتُ أُدرك أنَّ القضية الجزائرية بدأت تتحوَّل إلى مأساة هند صينية جديدة، فقرَّرتُ أن أكرِّس لها معظم نشاطاتي. وأن أبقى وفياً أقصى ما يمكن لجملةٍ من المبادئ والتوصيات التي دفعتني في 1960 إلى التوقيع على إعلان الـ (121) من أجل العصيان. إذ كيف لا يكون للفرنسيين ضمير معذَّب وقد قُتل شعب باسمهم...".ويكتب المؤلِّف عن حبسه في سجن فران في شهر أكتوبر 1960. ويحكي هنا، حسب روايات احد السجناء، كيف كان السجن يمثّل بالنسبة للمقاومين الجزائريين، حينها، مدرسة تأهيل ثقافي وسياسي ووطني وعسكري.

المؤلِّف في سطور


روبير بارا( 1919 - 1976). باحث ومؤرخ وصحافي فرنسي. جاء إلى الجزائر عام 1938. ثم تابع أحداثها حتى سنة 1962. وهو ناشط بارز في مجال حقوق الإنسان.

الكتاب: صحفي في صميم حرب الجزائر- شهادة
تأليف: روبير بارا
الناشر: منشورات ألفا - الجزائر 2013
عدد الصفحات: 159 صفحة
القطع: المتوسط