يبحث كتاب (من الحداثة إلى ما بعد الحداثة في الفن)، لمؤلفه الدكتور عفيف البهنسي، جملة من القضايا المتعلقة بالحداثة وما بعدها، في العمارة والفنون التشكيليّة والسينما، وعلاقة ذلك بالمستقبل. ويحدد المؤلف لائحة اتجاهات الحداثة وما بعدها بجموعة، منها: الانطباعيّة وما بعدها، التعبيريّة، الانطباعيّة المحدثة، الرمزيّة.
يرى البهنسي أن الفن كان ولا يزال، من مظاهر كل حضارة، وأن ما أصاب الحضارة الغربيّة من قفزات أو أزمات، كان موجهاً أيضاً إلى الفن ذاته، الأمر الذي حوّله إلى صورة قوية من صور أزمة الحضارة الحديثة، وخلق حالة من الانقطاع المفجع بين الصورة وبين المثل، ما دفع بعض الفنانين إلى الخيال لكي يتحاشوا حالة التعليق التي تجعل فنهم مؤقتاً ومتمرداً وخارجاً عن حدود المجتمع والتقديرات الرسميّة والذوق العام..
وقادته إلى السقوط في هاوية العبث، التي قادته بدورها إلى مرحلة التعب، بحيث جرى تحرير الفن من النسبيّة.. فأصبح العمل الفني مستقلاً بذاته، لا يخضع لحدود زمانيّة أو مكانيّة.. كما أثار ظهور آلة التصوير الضوئي شهوة الفنانين التشكيليين. وبالتدريج بدأت تطغى الآلة على عالم الفن المرئي أكثر من طغيانها على الفن المكتوب.. وصولاً إلى التجريد الذي طاول الفنون التشكيليّة والعمارة.
ويلفت المؤلف الى انه بالنسبة للسينما، فانها تطورت تطوراً كبيرا ومهما بعد الحرب العالمية الثانية، لا سيما في مجال التقنية والإبداع، مشيرا الى أن لفن السينما علاقة شديدة بالفنون التشكيليّة.. إذ أخذت السينما من الفنون التشكيليّة بعض مدارسها، كالرومانسيّة والانطباعيّة والتجريديّة والدادائيّة والسورياليّة.
يثير البهنسي، تحت عنوان: (الإبداع والمستقبل)، قضايا مهمة راهنة، منها: الإبداع وعصر السرعة. ثم يتحدث عن الحداثة من الفن إلى اللافن، فيؤكد أن السلطة-القوة كانت ضد الإبداع، وكان الطوبائيون أول من أثار انتباه الناس، وكشف الوهم الذي ساد، من أن عظمة هذا العصر تدين أولاً إلى قوة الآلة الضخمة، وأن توظيف هذه الآلة بهدف السيطرة العسكريّة والاقتصاديّة يبرر سحق الكرامة الاجتماعيّة والسياسيّة.
وبالتدريج هيمنت النزعة العدميّة على الفكر والإبداع وصولاً إلى اللافن، وهو حدث هام كان موازياً للتجريديّة، ولكنه كان أقرب إلى العدميّة والهدم والتدمير، وشمل هذا الحدث الذي أطلق عليه اسم (الدادا) جميع أشكال الإبداع الأدبي والفني والموسيقي، وكان الهدف رفض جميع القيم الأخلاقيّة والدينيّة والوطنيّة. وعقبها، جاءت الطلائعيّة وما بعدها، ومعها بدأت القطيعة بين الفن والنظام الكلاسيكي.
وفي الختام، يتناول الكتاب مرحلة الحداثة وما بعدها، إذ أرادت أن تناقض الأسس التي قامت عليها الثقافة الغربيّة في الماضي، والتي كانت قائمة على العقل. ثم جاء الإبداع البعدي الذي هدف إلى تحقيق عصر الكرامة المعرفيّة، والهويّة الحضاريّة والمستقبليّة.وبعدها جاءت الحداثة البعديّة التي ادّعت أنها العلاج المنشود لوقف انهيار الفن. ثم ينتهي الكتاب بالحديث عن الحداثة ..
وما بعدها في العمارة، فيشير إلى مقومات لغة العمارة والهويّة، فيؤكد أن السكن ليس منشأة في فراغ اجتماعي، بل هو خليّة عمرانيّة اجتماعيّة، يحقق أهدافاً ثلاثة، غير هدف السكن: اللقاء مع الآخرين، التوافق بينهم، تحقيق التفرد والسكينة.
المؤلف في سطور
الدكتور عفيف البهنسي. باحث سوري متخصص في الدراسات الجماليّة المتعلقة بالفنون التشكيليّة والعمارة والآثار. مارس فن التصوير والنحت. شغل منصب المدير العام للآثار والمتاحف في سوريا. لديه ما يربو عن السبعين كتاباً منشوراً، بعضها باللغة الفرنسيّة والإنجليزيّة.
الكتاب: من الحداثة إلى ما بعد الحداثة في الفن
تأليف: الدكتور عفيف البهنسي
الناشر: دار الكتاب العربي- دمشق 2012
الصفحات: 158 صفحة
القطع: المتوسط
