تعتمد أبحاث كتاب "تحولات النصوص ..حول وحدة النصوص الأدبية والموسيقية والبصرية"، لمؤلفه الدكتور عمر عبدالعزيز، على أدوات الفن باحثا عن القواسم المشتركة بين النصوص المختلفة، ومعتمدا على علوم الجمال الشكلية والمضمونية، فالنص البصري لا يخلو من غنائيته وتجريده الخاص، والنص المكتوب ليس بعيدا عن الصورة والموسيقى، تماهى مع المكتوب والمسموع والمتخيل والسينما، وما يشابهها من أشكال إبداعية تمازج بين عناصر فنية ونصية مختلفة.
يرى الدكتورعبدالعزيز أن الفنون البصرية المعاصرة تشمل كامل البانوراما التي تتقدم على خطى التعبير الفني الموصول بالبصر ويدخل التشكيل في هذا الباب بوصفه ركن الأركان في الفنون البصرية التاريخية.
يرى المؤلف أن بعض منظري التجريد الفني يعتقدون أن الوهم بدأ مع المدارس الفنية الحديثة، متناسين أن المنظور الفني كان بداية البداية للوهم، وبالتالي البداية الأوروبية للتجريد، باعتبار أن التجريد يبحث عن الغنائية البصرية المفتوحة.
. وغير المقيدة بقيود التصوير الواقعي .ولم يكن المنظور في التصوير الكلاسيكي وحيدا في ميدان اللامرئي، بل أيضا التجاور بين التصوير الزيتي والموسيقى .. والمعرفة المجردة، كان يكون بصورة مباشرة، كما كان يفعل ليوناردو دافنشي وهو يرسم. أو بصورة غير مباشرة من خلال الثقافة الواسعة واستبطان موسيقى الوجود.
ويوضح عبدالعزيز أن المصطلحين استعارهما من علوم الكلام عند المسلمين.. ويبين أن اللامرئي في الفن الإسلامي، يستمد روحيته من نظرية المعرفة عند المسلمين والتي أصلها علماء الأمة، وخاصة ابي حامد الغزالي . تلك النظرية التي ترى في المعلوم جزءا بسيطا من الغيب، وتقرن المعرفة بالغيب. فما تعرفه في علم ما ليس إلا أقل القليل .
وما لا تعرفه اصل وجوهر كلي .هذا اليقين الذي يصل العلم بالغيب قام بتفكيكه المفهومي بعض علماء الإسلام، وخاصة الشيخ محي الدين ابن عربي، الذي اعتبر أن البرزخ هو المعادل السحري الذي يصل ويفصل بين الثنائيات، المرئي، اللامرئي .. المعلوم، المجهول .. الظاهر، الباطن .. الخفاء، التجلي ... إذ يقول ابن عربي إن البرزخ ليس إلا حالة تتوسط بين طرفين يلتقيان وينفصلان في آن واحد. فالبرزخ لا يقابل الطرفين بوجه واحد، بل بوجوه متعددة ، وهو بهذا المعنى يمثل ديناميكية الحياة، بينما مظاهر التجلي السطحية لا تمثل إلا الثبات أو المرئي .
يحاول عبدالعزيز أن يستعيد مفاهيم ابن عربي بلغة معاصرة، ويبين ان نظريته تقول بان اللامرئي في الوجود وتعبيريته، أكثر بما لا يقاس من المرئي .. وأن ما نراه لا يغني عن الحقيقة. فالحقيقة أشمل، والبرزخ غير المرئي هو الحامل الأكبر لديناميكية الظواهر وتعدد تجلياتها. ولهذا السبب فان النظرة الصوفية العرفانية للفنون تستمد نبعها الصافي من النظرة الشاملة لأحوال الوجود . وموسيقى الحياة الموصولة بالغيب واللامرئي .
كما يبين الباحث أننا نعرف في الآداب العربية مصطلح الصورة الشعرية الذي يقابله في الفنون البصرية شعرية الصورة أو غنائية الصورة .ويتساءل الباحث حول ما هي اللوحة إن لم تكن نصا بصريا بامتياز ؟ بل ما هو النص إن لم يكن معادلا للبصر والبصيرة معا ؟
ويرى أن علم الجمال وقف أمام هذه المقولة طويلا. وكان هذا العلم يعتني بالفلسفة والنقد في آن واحد، بالفنون وتاريخها أيضا، بالتوصيف والتصنيف المدرسي للفنون، بالتجليات المختلفة للمعادل البصري بمعناه الواسع . وكان علم الجمال ولا يزال ينظر للفنون المختلفه باعتبارها فروعا لأصل واحد ..
فالمشتركات من العناصر تتجلى واضحة عند كل وقفة. ويدلل على ذلك اكتشاف الفراهيدي بحور الشعر العربي استئناسا بعلم الموسيقى، إذ كان الخليل يجرب التغايرات الصوتية عبر سلسلة من الجرار أو الأكواز، حتى وصل في نهاية المطاف إلى نظرية التراتب بين الحركة والسكون في كتابة عروض الشعر العربي .
المؤلف في سطور
الدكتور عمرعبدالعزيز. كاتب وباحث يمني. حاصل على درجة الماجستير في العلاقات الاقتصادية الدولية، ثم درجة دكتوراه دولة في العلوم الاقتصادية. يعمل حاليا رئيسا لقسم البحوث والدراسات والنشر في دائرة الثقافة والاعلام بالشارقة- ومديرا لتحرير مجلة (الرافد) الصادرة عن الدائرة.
الكتاب: تحولات النصوص ..حول وحدة النصوص الأدبية والموسيقية والبصرية
تأليف: الدكتور عمر عبد العزيز
الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب سلسلة إبداع عربي -القاهرة2013
الصفحات: 232 صفحة
القطع: المتوسط
