«بالتساوي».. أمكنة وشخوص في لبوس روائي

يرسم خليل الرز في روايته «بالتساوي»، شخصيات اجتماعية حائرة وقلقة، في مقدمها شخصيتا عبد الهادي وسميع اللذين يتعاونان معاً، وشخصيات أخرى في إنجاز هذا العمل الروائي. وكلاهما غريب عن مجتمعه الذي عاش فيه، فمنذ بلغ عبد الهادي الثامنة من عمره، كان والده، قد قرأ بحضور شيخ وشهود، فاتحة زواجه ببديعة..

وهي صغرى بنات صديقه وجاره في السوق، فنعما سنوات طويلة بامتيازات زوجين قاصرين عفيفين ومدللين. وكلما التقيا يقلد عبد الهادي وقار الأب، وتلك تقلد حياء الأم. وبعد أن صار يافعاً قرر أن يخالف الوالد، فلا يدرس في كلية الصيدلة، عندما يأخذ البكالوريا، دخل بدم بارد إلى قسم اللغة العربية في كلية الآداب ، فقطع عنه والده مصروف الجيب بسرعة.

وسميع الذي كان زميله في كلية الآداب، يكبره بأكثر من عشر سنوات، وعبد الهادي معجب به، لسعة اطلاعه واعتداده بنفسه، ولتنكره لأولاد قريته من المسؤولين الكبار في العاصمة، ولأنه كان يدرس ويتقلب في أعمال متنوعة وشاقة يعتاش منها، لم يتح له أن ينهي كل سنة دراسية بسنتها، فقرّر الاثنان السفر إلى بيروت، ولم يخبر عبد الهادي أحداً سوى بديعة.

وفي بيروت، استأجر عبد الهادي شقة مفروشة، لها إطلالة جميلة على البحر في «عين المريسة»، بينما استأجر سميع مع عاملين سوريين غرفة إسمنتية عارية تشترك مع غرفتين مجاورتين بفناء ضيق ومرحاض بلا سقف، لأنه أي سميع احتجّ بأنه لم يأت إلى هنا لكي يدفع ثلاثة أرباع راتبه الذي يجنيه، أجرة للفراش الذي ينام عليه فقط.

خليل الرز، هو حكواتي بامتياز، أو عنده تتجمع الحكاية، إنه ابن أصيل للبيئة الشعبية، وحافظ لتراثها الحكائي وثقافتها، فهو يمثّل حالة خاصة في الكتابة الروائية، إنه يجرنا وراءه لنتابع بشغف، سيرة شخصياته التي تتداعى في الخوف والرهبة والإغراق في التفاصيل الصغيرة. شخصيات مأزومة، لكنها خائفة من أن تواجه المجتمع، هاربة إلى النهاية، ومتقوقعة على ذاتها، لا تفعل شيئاً إلا بمساعدة الآخر، والآخر غارق في بئر لا قرار له.

وفي بيروت، يعمل عبد الهادي وسميع في ورشة دهان، لكن الأوّل بحكم تربيته يشعر بالتعب، وصعق لأن أجره كان أقل بكثير من أنه لم يعد يشعر بذراعه، فيقول قولته الشهيرة «أخي أنا بطلت»، فيرد عليه سميع «أنت حرّ». يجلس عبد الهادي في «الحمراء» إلى طاولة على الرصيف، يراقب الناس..

ويكتشف أنه بعد أسبوع كامل من التسكع في بيروت ازدرى نفسه، وأنه لو جاء إليها كما جاء سميع، بأجر الطريق فقط، لعرف لحياته معنى، ثم يقرر أن ينفق نقوده التي حصل عليها من أبيه، فيشتري لوحة لفنان سوري، يهديها إلى سميع وأصدقائه. طار إلى مفرق الأوتوستراد، آخذاً سيارة إلى «عين المريسة»، ومنها إلى البور، ومن هناك ركب فعلاً إلى الشام، ليعترف إلى شخص يجلس في داخله.

يخلط خليل في الأمكنة مع بعضها، فالأمكنة في دمشق ربما تأخذ لها أمكنة في حلب أو الرقة أو بيروت، أو أي مدينة أخرى، وهو لا يحصر الاهتمام بمدينة واحدة، كي لا تعتب عليه المدينة، فالمدن له فقط، يسمي شوارعها وأماكنها كما يحلو له، من دون أن يتسبب في إزعاج أحد ما، أو مدينة ترفع عليه دعوى، بأنه يشهر بها.

ونجد في الرواية، عموما، حكايات اجتماعية بمحمولات ذات بعد انساني نتبين معه وتفاصيل كثيرة.

 المؤلف في سطور

 خليل الرز. روائي ومترجم سوري، ولد في الرقة عام 1956، وهو خريج جامعة حلب - كلية الآداب (قسم اللغة العربية)، سافر إلى روسيا، وعمل مذيعاً ومعداً لبرامج ثقافية في إذاعة موسكو. ومنذ عام 1996، يعمل في وزارة الثقافية السورية. صدرت له مجموعة مؤلفات، منها: «سولاويسي»، «يوم آخر».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات