وثيقة إبداعية تحكي قصص السياسة وتفاصيل قهر رجالات الفكر

رسوم الزنزانة.. ذكريات 36 سنة في السجن

يرى كتاب "رسوم الزنزانة"، لمؤلفه عز الدين نجيب، أن الزنازين ربما تكون عقوبة بسلطة القانون للخارجين عن العدالة، ويحتمل أن تكون وسيلة للطغاة بسلطة الاستبداد لقهر الخارجين عليهم. لكنها، في كل الأحوال عقوبة أقسى من التعذيب البدني، فهي عقوبة للأرواح لا للأجسام.

يبين نجيب أنه بقدر ما يمكن أن تكون الزنازين بمثابة مقابر للحرية وللأرواح، فربما تكون عامل تفجير لطاقة المقاومة ضد القهر. ومن ثم تصبح المقاومة وقوداً لتحرير الأرواح، وماء يروي عطش المؤمنين بنبل القضية، ومنصة لإطلاق خيال السجين كي يتجاوز الجدران والأسوار والممالك.

يجمع المؤلف في كتابه، بين ذكريات عاشها شخصياً في سجون عهدين لحكم مصر، أيام الرئيسين: أنور السادات وحسني مبارك كمعارض لسياساتهما، وبين الطابع الأدبي في معالجة هذه الأحداث، بأسلوب أقرب إلى السياق الروائي المشوق، وكذلك بين الرؤى التشكيلية من خلال رسوم الفنان السجين التي أنجزها في زنازين القلعة، وسجن الاستئناف وليمان طره، في الفترة بين عامي 1972 و1997.

يوثق نجيب، ملامح السجن ووجوه زملائه، من الكتاب والشعراء والفنانين والسياسيين، من أمثال صلاح عيسى وأحمد فؤاد نجم وزين العابدين فؤاد ومحمد كامل القليوبي ومحمد روميش ومحمود إبراهيم ومحمود الشاذلي وإبراهيم منصور ومحمد صالح وكمال خليل. وغيرهم، وبالتوازي مع ذلك كله، تطل صفحات الكتاب على المشهد العام للأحداث في مصر سياسياً وثقافياً.

وتستعرض ملامح الصراع والاستبداد التي انعكست في الزج برموز الإبداع والمؤمنين بالتغيير والتقدم، إلى غياهب السجون، ويعرض المؤلف هنا للكثير من التفاصيل والأحداث. ومن ثم يخلص إلى القول:" ها كم كتاب السجن.. أو بالأحرى هي صفحة واحدة من سفر عظيم لسجن المثقفين المصريين والعصف بهم على امتداد أكثر من نصف القرن الماضي، وهو سفر يحتوى على فصول أعمق وأغنى مما يضمه كتابي، إنه سفر مليء بالعذابات ..

لكن حسبي أنني انتشلت هذه الصفحات من غبار النسيان، بعد مرور 36 عاماً على حدوث وقائعها، معتمداً على الذاكرة التي لا بد أن تكون قد أسقطت الكثير، فيما عدا هذه الرسوم بالحبر الأسود التي أنجزتها في الزنزانة 20 ، وفي كل ما حولها بعنبر التأديب بليمان طرة..

وأكاد أشعر لشدة صدقها وطزاجتها أنني رسمتها بالأمس". ويضيف: "أضحت وجوه أبطالها الذين اختطفهم الموت شهادات حية على شرفهم وعطائهم لوطنهم، وعلى أنهم لا يزالون أحياء في ضمائر الشرفاء والمخلصين من أمثالهم، وها هي صورهم وثائق نادرة تتحدى التجاهل والنسيان".

ويقدم نجيب في كتابه، خبرة الزنازين التي احتوته ثلاث مرات، على امتداد مراحل عمره المختلفة، ولكنها لم تتملكه، فمارس مقاومة الموت المعنوي بالرسم والكتابة، وحتى بالخربشات، على جدران الزنازين.. مارس الرسم في الزنازين استمساكاً بالحياة، وبامتلاك اليقين، وبأنه وأصحابه، هم الباقون وأن الطغاة والسجانين هم الزائلون . ويبين المؤلف، أيضاً، أن القاسم المشترك بين تجاربه الثلاث، فوق كونها ملاحم في عشق الوطن، هو قدرة الإنسان على إزاحة جدران الزنازين عنه، بسحر الفن وتحرر الروح.

ويتبدى الكتاب في صيغة توثيقية أدبية وفنية شائقة، نطلع معها على الكثير من التفاصيل والحكايا، في سيرة مبدع بارز، ونطل من خلالها على قصص مجتمعية مهمة، شكلت علامات ومحطات مهمة بفعل ارتباطها بقضايا وطنية على درجة كبيرة من الأهمية. وما يشدنا في اسلوب تقديم المؤلف لقصص كتابه، مزاوجته فيها بين روحية التوثيق والسرد، وكذا عدم إغفاله ذكرى أصدقائه من رفاق النضال من بين المبدعين المصريين الكثيرين، الذين عانوا ويلات الاعتقال والتعذيب والقهر الفكري.

المؤلف في سطور

 محمد عز الدين نجيب. فنان تشكيلي وناقد فني مصري. ينشر إبداعاته في المجلات والصحف المصرية والعربية، منذ عام 1972. ولد في عام 1940 في محافظة الشرقية. حصل على بكالوريوس الفنون الجميلة عام 1962. وهو عضو مؤسس في نقابة الفنانين التشكيليين وعضو مجلس الإدارة فيها.

ومقرر اللجنة الثقافية وعضو اتحاد الكتاب المصريين وجمعية نقاد الفن التشكيلي. عين مديراً لقصر المسافر خانة ومشرفاً على مراسم الفنانين. وترأس تحرير موسوعة الحرف التقليدية بالقاهرة التاريخية. من مؤلفاته: فجر التصوير المصري الحديث، التوجه الاجتماعي للفنان المصري المعاصر.

 الكتاب: رسوم الزنزانة

تأليف: عز الدين نجيب

الناشر: الهيئة العامة لقصور الثقافة-القاهرة 2014

الصفحات: 132 صفحة

القطع: الكبير

طباعة Email
تعليقات

تعليقات