يبين كتاب «المسرح الشعري العربي.. الأزمة والمستقبل»، لمؤلفه مصطفى عبدالغني، أن غياب المسرح الشعري، حالياً، هو التعبير العملي عن أزمة المثقف والثقافة العربية، ربما بسبب العولمة أو الأمية أو عوامل غياب الوعي.

ويشير عبدالغني إلى أن المسرح قدم قديماً الأساطير بصياغة شعرية، كما بدت الدراما القديمة المصرية والهندية والآشورية والصينية وغيرها، وصيغت شعراً. ويمكن القول جزماً إن التراجيديا الشعرية العربية الآن تعد تعبيراً حاداً عن الهوية. وهناك العديد من المؤثرات التي أثرت في هذا الفن المسرحي..

إذ تغلبت الفرجة على روح النصوص والعروض المسرحية. وكذلك تطور مفهوم التطور الدرامي، الذي لم يعد مقتصراً على معطيات النص التقليدية، بل ربما عن طريق الموسيقى أو مشاركة الجمهور، سواء في القاعات أو غرف الويب على الشبكة العنكبوتية.. بل وقدمت اليابان تجارب مشاركة الإنسان الآلي في التمثيل.

يوضح عبدالغني، أنه في نهاية القرن العشرين الميلادي، ومع البحث الدقيق عن النص الدرامي المسرحي الشعري، أصيب بخيبة الأمل، وهو ما أرجعه بداية، للمتغيرات اللاهثة التي توالت مع بدايات القرن الواحد والعشرين، سواء غلبة مظاهر العولمة، ثم أضاف سبباً آخر في تقديره وهو الربيع العربي.

 وهو ما برر له البحث في المنتج التاريخي للنصوص المسرحية والشعرية منها، منذ البدايات، مع جو سليم النقاش، في لبنان ومصر عام 1876م. وأوضح أنه بالتسلسل التاريخي للأعمال مع استخدام المنهج التحليلي، سيكشف عن البعد السسيولوجي في النصوص، عبر البحث عن «الهوية». يرصد عبدالغني ان مارون النقاش، أول من قدم نصاً مسرحياً شعرياً في مصر عام 1848م، بعد عرضه في بيروت، ومن مصر انتقل إلى المغرب العربي. ذلك في مقابل ما أطلق عليه بزمن أزمة المسرح الشعري حالياً.

يجد المؤلف، أنه، وفي إشارة سريعة، يمكن أن يلمح المتابع أن نقص الصلة الواجبة بين المسرح والأدب، هو نقص المسرح الشعري.. فيكفي أنه خلال العشر سنوات الأخيرة لم تنتج مسرحية شعرية، إلا واحدة في بغداد، ولم تعرض على الجمهور! ويمكن الإشارة إلى أسئلة عدة، حاول بها الكاتب الإجابة عن موضوعه الأساسي.

يبحث عبدالغني في صميم سؤال جوهري ضمن بحثه، مفاده: أين المسرح الشعري العربي؟ ويلفت، في معرض الإجابة، إلى أنه (المسرح الشعري العربي) جاء مع بدايات القرن الواحد والعشرين، بعد أن شهدت المنطقة البدايات الخجلة، ثم شهد رواجاً في الخمسينات والستينات من القرن الـ20، وعقبها كانت جملة النكسات الشعبية العربية بعد الثمانينات من القرن عينه.

ويورد المؤلف هنا، جملة أسئلة: هل استطاعت التراجيديا التعبير عن الواقع المعاش؟ وبالتحديد ماذا عن المسرح الشعري؟ وتحديداً هل عبر المسرح الشعري عن الهوية؟

يؤكد المؤلف أن وجود مثل هذا اللون من المسرح، يستلزم أربعة عناصر: النص، الخشبة، الممثل، المتفرج. مبيناً هنا أنه اعتبرت مسرحية «البخيل» لمارون النقاش أول مسرحية عربية من هذا القبيل.

يستنتج عبدالغني أن المسرح الشعري مر بثلاث مراحل: حالة المد الأولى (بين عامي 1847 و1918م)، مرحلة المد (بين عامي 1940 و1967م)، مرحلة بين المد والجزر بين عامي (1960 و1980م). ويتوقف المؤلف عند العديد من النصوص المسرحية الشعرية، ومنها نص لكاتب مسرحي من المرحلة الأخيرة، وهو محمد عبدالعزيز شنب، إذ نشر أعماله المسرحية في التسعينات من القرن الماضي، ومن أهمها: بعيداً عن كرسي الحكم.

يخلص عبدالغني إلى مجموعة نتائج وملاحظات، يوضح أنها برزت وتأكدت لديه، بعد التمعن في باقة من «النصوص المسرحية الشعرية». وتتمثل تلك الخلاصات في: غياب الهوية مقابل التاريخ (حيث النصوص عن التراث الشعبي قليلة)، الإحالة إلى السياسي في مرآة التاريخ لنقد الحالي، بدت الغنائية غالبة في أغلب النصوص على حساب الدراما، استخدام تراكيب شعبية على حساب الشعرية. ويرى أخيراً، أنه، وعلى الرغم من كل المنجز التقني للمسرح، فإن الإقبال الجماهيري عليه ضعيف.

يعد هذا الكتاب وقفة فاحصة للمسرح الشعري العربي، وقد وضحت عند الكاتب آليات الباحث والناقد والكاتب للمسرحية أيضاً.

 المؤلف في سطور

 مصطفى عبدالغني. كاتب وناقد مصري. رئيس لجنة العلاقات العربية في اتحاد كتاب مصر. لديه مجموعة من المؤلفات الفكرية والسياسية والاقتصادية والمسرحية.

 الكتاب: المسرح الشعري العربي.. الأزمة والمستقبل

تأليف: الدكتور مصطفى عبدالغني

الناشر: عالم المعرفة (يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت) - 2013

الصفحات: 240 صفحة

القطع: المتوسط