يرصد كتاب «الرجل والمآثر.. كالوست غولبنكيان»، الصادر عن مؤسسة غولبنكيان (قسم الجماعات الأرمنية)، حياة هذا المبدع الأرمني وأعماله، موثقاً ما تركه من أثر ومآثر.

يضم الكتاب عشرات الصور للرجل وعائلته ومؤسساته ومتاحفه، وهي من محفوظات المؤسسة. ويبين أن كالوست غولبنكيان ينحدر من عائلة أرمنية معروفة، يعود تاريخها إلى القرن السادس الميلادي.. وأجداده هم الأمراء الرشدونيون الذين سيطروا على أملاك شاسعة تقع في القسم الجنوبي من بحيرة (فان) من أعمال أرمينيا الكبرى.. ثم تحوّل اسم الأسرة في الحقبة البيزنطية إلى فارت بادريك، وهو لقب بيزنطي يطلق على النبلاء، إلا أن هذا الأخير تأترك مع وصول العثمانيين في القرن السابع عشر، وغدا غولبنكيان.

يشير الكتاب إلى أن كالوست سركيس غولبنكيان ولد في أسكودار خلقيدونية (إسطنبول)، عام 1869 م، في عائلة أرمنية ثرية من القيصيرية، وتزوّج سنة 1892 بنفارت إسيّان التي أنجبت له صبياً وفتاة، وأنهى كالوست دراساته الأولى في كاديكوري (خلقيدونية) في مدرسة أرميان أنكويان، ومن ثم في مدرسة القديس يوسف الفرنسية، وتعمق بعدها في دراسة اللغة الفرنسية في مرسيليا، قبل أن يتخصّص كمهندس في الكينغز كولدج بلندن، حيث تخرج عام 1887 واستحق المرتبة الأولى.

 وأمضى كالوست حياته بين الشرق الأوسط والغرب، فبدأ من لندن (1897 1914) وأنشأ مكتبة فيها، بعد حصوله على الجنسية البريطانية، ثم انتقل إلى فرنسا بين 1915 و1940، وأخيراً استقر في لشبونة (1942 1955). وأنجز كالوست مهمات صعبة في ميدان السياسة، إذ خدم بصرامة مصلحة بلاده: الإمبراطورية العثمانية. وسمّي عام 1898 مستشاراً اقتصادياً للسفارتين العثمانيتين في باريس ولندن.

وعقب تفكك الإمبراطورية العثمانية وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، أوكلت إليه مهمة التمثيل التجاري والدبلوماسي معاً، لإيران في باريس، لمدة 24 عاماً، كذلك فقد عمل في الوقت ذاته على حماية مصالح فرنسا النفطية في إيران، ولعب دوراً في مسار المفاوضات التي أدت إلى توقيع معاهدة سيفر ولوزان بعد الحرب العالمية الأولى. وترأس الجمعية الخيرية الأرمنية في القاهرة. وفي العشرين من تموز عام 1955، توفي كالوست غولبنكيان، بعد أن قام بأعمال جليلة يستحق أن يخلد عليها.

ويوضح الكتاب، بعد استعراض نجاح كالوست في الحقل الاقتصادي، أنه لم يعش كل حياته لاهثاً وراء المال والبترول، بل كان شغوفاً ومحبّاً للجمال، لا بل إنه يمتلك حساسية صوفية لأي مظهر جمالي، وكان جامع تحف من الطراز الرفيع، وبدأ حبه ذاك منذ وقت مبكر يظهر في اقتنائه للمسكوكات والقطع النقدية القديمة، ومع الزمن أصبح لديه مجموعة منتخبة وفريدة في العالم اليوم، إذ جمع 6 آلاف قطعة حقيقية، ثم تزايدت مجموعات كالوست الفنية، بعضها في باريس وبعضها في لندن وواشنطن، وأخيراً قرّر أن يجمع تحفه المشتتة في لشبونة في متحف خصّصه لذلك...

ووافقت الحكومة الفرنسية على نقل الأعمال، بتدخل وزير الثقافة آنذاك أندريه مالرو، وافتتح متحف كالوست غولبنكيان عام 1969، بعد وفاته بأربعة عشر عاماً، ويعد اليوم المتحف الأفضل في العالم، ويحتل المرتبة الأولى في أوروبا، فيه قطع مميزة تعود إلى مصر القديمة، وتماثيل صغيرة وأوان من الفخار وكؤوس من المرمر.. وغير ذلك من القطع والمقتنيات.. وأضف إلى ذلك شغفه بالكتب القديمة.

يشير الكتاب إلى أن غولبنكيان وضع في آخر حياته وصية، وفيها، بعد تخصيص أفراد عائلته بحصص وإنشاء بعض الهبات الخاصة، إقامة مؤسسة برتغالية ذات أهداف خيرية وفنية وتربوية وعلمية، مركزها لشبونة، تعتبر وريثة كامل ثروته، وقعت عام 1953، وبهذا التوقيع أنشأ إحدى أهم المؤسسات الأوروبية، وإحدى أهم ست مؤسسات في العالم. وتحمل اسمه الذي أورثها مجموعاته الفنية و70 مليون دولار من الأموال النقدية ودخلاً سنوياً من 4 ملايين جنيه استرليني، سيرتفع إلى عشرة ملايين في وقت لاحق.

الكتاب: كالوست سركيس غولبنكيان

تأليف: الرجل والمآثر

الناشر: مؤسسة كالوست غولبنكيان، لشبونة - 2013

الصفحات: 64 صفحة

القطع: الكبير