يبحث كتاب " مفهوم الشعر في التراث العربي"، لمؤلفه أحمد حلمي عبدالحليم، عن الرؤية لمفهوم الشعر، ويعني بمفهوم الشعر ذلك التناول الشعري لموضوع ما، وبالتالي ذلك الدور الذي يمكن أن يلعبه الشعر. وزمنيا، اختار المؤلف لذلك المفهوم للشعر الفترة الممتدة حتى القرن الخامس الهجري، ويدرس في الخصوص ماهية دور الشعر فى التراث. والى جانب ذلك، تخير عبدالحليم ذلك الدور الاجتماعي السياسي أو "السوسيوتاريخية" للشعر، ما يعني عرضه لعلاقة الشعر بمؤسسات الدولة أو بالسلطة.

ارتكز اختيار عبدالحليم لموضوعة (علاقة الشعر بالسلطة)، الى حقيقة أن الثقافة تدار بالسياسة في كل الأنظمة الشمولية (الشمولية بالعرق أو بالايديولوجيا). وتتعدد تعريفات السلطة السياسية، وتختلف باختلاف الرؤية أو الأيديولوجية السياسية.. وكلها لا تخرج عن كونها امتلاك القوة، أو القدرة على فرض تشريعات، والقدرة على الإلزام بها. وفي المقابل، فانه لا بد للسلطة من قوة ما بالمعنى العام، ذلك لضمان استقرارها وبقائها.. وفي المقابل يلزم توافر قناعة شعبية أو قناعة مجتمعية للقبول بتلك القوة من السلطة، وهو ما يعني أهمية توافر أسس فكرية تعضد من وجود تلك السلطة.

يوضح عبدالحليم، أنه، وان تعددت صور السلطة تاريخيا، فإنها بدأت بسلطة القبيلة ثم سلطة الدين.. ثم سلطة الدولة. ولكن لا يعني ذلك إلغاء السلطة الجديدة للسلطة القديمة، بل إعادة تشكيل السلطة القديمة ضمن معطيات السلطة الجديدة. وهنا يفيد المؤلف أن دراسته في هذا الكتاب تتناول دراسة مفهوم الشعر من خلال سلطتي القبيلة والدولة.. ففي العصر الجاهلي، قال ابن رشيق فى كتابه "العمدة" "..

 (.. وكانوا لا يهنئون إلا بغلام يولد أو شاعر ينبغ أو فرس تنتج") .اذ كان الشاعر هو الفارس والكاهن والرائد في القبيلة. وفي مقابل تلك المكانة، كان على الشاعر الانتماء للقبيلة، مدافعا ومفتخرا في شعره بها، والرثاء لقتلاها، وكان الهجاء لغيرها. وعقب ذلك، تحديدا مع العصر العباسي..

حيث سلطة الدولة والقوة المركزية، كان التأسيس لبلاغة الأنموذج الشعري، المتمثل في العمود الشعري، بالإضافة إلى المفاهيم النقدية التي تكرس التمايز الطبقي. وتلاحظ أنه مع ضعف الخلافة، وبينما اتسعت المسافات بين الطبقات وعاش الشاعر على فتات موائد الطبقة المترفة، أصبح كما المطرب أو الملهى في الجلسات. وغلب على مفاهيم النقد، بلاغة التزيين والتحسين ومراعاة الأعراف الاجتماعية والآداب العامة.

اعتمد عبدالحليم في تحليله ورصده ضمن الكتاب، منهج النقد الثقافي، إذ يرى في هذا المنهج ما يعينه على الكشف المعرفي للجوانب التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية من خلال النص.

ويلفت عبدالحليم إلى أنه مع بدايات الدولة المركزية قيل: "أصدق الشعر أكذبه". وبذا اعتمد الشعر على مبدأ التخييل والكذب. بينما راج في عصر اللامركزية ارتكاز الشعر على الإطراب، وكان البديع اللفظي والمعنوي معيارا للإجادة.. وهو ما يرجع إلى أن شعراء الفترة العباسية نظروا إلى السلطة بالقدر الذي يحقق أهدافهم. أي ان الرغبة فى التكسب، والإغراء بالمناصب، والتزلف والخوف.. أمور جرفت الإبداع الشعري إلى نماذج فردية.

كما بدت المفاهيم النقدية، ملحقة للتعبير عن تلك الحالة.. وفي الخلاص ترسخ المعيار الاساس بـ : فردية السلطة وتوجهاتها التي ترغب في مدحها دوما، وأنها الأنموذج، وليس مصلحة المجتمع. ويخلص المؤلف إلى أن النظرية النقدية عند العرب قديما، بدت أخلاقية، وان دعمت المثل العليا في المجتمع.. لكنها فى المقابل، أضرت ببعض الشعراء على المستوى الفردي، والمستوى الفني أيضا.

 المؤلف في سطور

أحمد حلمي عبدالحليم. أديب وباحث مصري. ولد في القاهرة عام 1975. تخرج في كلية الطب- تخصص في طب الأطفال. لديه مجموعة دراسات في المجال.

 الكتاب: مفهوم الشعر فى التراث العربي

تأليف: أحمد حلمي عبدالحليم

الناشر: هيئة قصور الثقافة- سلسلة "الفائزون- القاهرة 2013م

الصفحات: 330 صفحة

القطع: المتوسط