يرصد كتاب «الوقائع السرية لمؤتمر جدة»، لمحمود شريح، تفاصيل الصراع المسلح بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الأردنية في أوائل السبعينات من القرن الماضي، ومؤتمر جدة لحل هذا الصراع، مبيناً كيف أنتج ذاك الصراع اتفاقات ومؤتمرات وجلسات حوار، وكيف بذلت مساع حثيثة لتسوية الخلاف ورأب الصدع بينهما.

يكشف محمود شريح في التقرير السري الذي أعدته حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، في أعقاب مؤتمر جدة، خفايا أبرز مؤتمرات التسوية في الخصوص، والذي انعقد في عام 1971 بوساطة مصرية سعودية. وهو تقرير ينشر للمرة الأولى، كما يدعي الكاتب، وكان قد وقع عليه عندما كان يعمل في مكتب إعلام الحركة في بيروت.

يشير شريح في المقدمة إلى اتفاقات سابقة على مؤتمر جدة، ومنها: اتفاقية القاهرة التي وقعت، حينها، بإشراف الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر وبحضور ملك الأردن الراحل الملك حسين والزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، في أعقاب المواجهة العسكرية بين المقاومة الفلسطينية والجيش الأردني، والتي نصت على إنهاء الاقتتال وإيجاد سبل للتفاهم بين الجانبين.

وتلا هذا التقرير، كما يوضح شريح، اتفاقية ثانية عرفت باسم «اتفاقية عمان»، وهدفت إلى تنفيذ بنود الاتفاقية الأولى، والتي تحدّدت بموجبها الأماكن التي يسمح للفلسطينيين الوجود فيها، وأساليب عملهم. ولكن هذه الاتفاقية لم تعمر طويلاً، فبعد معركة جرش في تموز 1971، بادرت الحكومة الأردنية، حسب المؤلف، إلى إلغاء اتفاقيتي القاهرة وعمان.

ويُلفت التقرير إلى الوساطة المصرية - السعودية، التي هدفت إلى إعادة التفاهم بين المنظمة والحكومة الأردنية لضمان عودة العمل الفدائي مجدداً إلى الأردن. فكان «مؤتمر جدة»، والذي انعقد بين: 15-9-1971 و28-11-1971.. وانتهى بدوره إلى الفشل. لينهي، بعدها، اغتيال رئيس وزراء الأردن في القاهرة وصفي التل، على أيدي ثلاثة شبان فلسطينيين، إمكانية إعادة الحوار مجدداً بين المنظمة والحكومة الأردنية.

أي منحى ستسلكه المفاوضات؟ وإلى أين ستُفضي اللقاءات والمؤتمرات التي انعقدت بين الحكومة الأردنية ومنظمة التحرير الفلسطينية؟ هذا بالضبط ما يوضح خفاياه التقرير السري الذي قدم شريح مضمونه ونشر نص بنوده كاملة.

يعيد التقرير فشل اللقاء الأول لمؤتمر جدة، إلى إصرار الوفد الأردني على وضع اتفاقية جديدة تحل محل اتفاقيتي القاهرة وعمان، مقابل إصرار الوفد الفلسطيني على التمسك بهما حرفياً.

وفي المرحلة الثانية من المؤتمر، كما يقول، وافق الوفد الفلسطيني على تعديل اتفاقية عمان من دون المساس بجوهرها، لكنه اعترض على رغبة الوفد الأردني في تعديل بند يتعلق بحق منظمة التحرير في أن تكون ممثلاً شرعياً للشعب الفلسطيني أينما وجد فلسطينيون، لتؤول المفاوضات من جديد إلى الفشل الذريع.

محاولة جديدة لإعادة إحياء المفاوضات بين الجانبين كشفت عنها ورقة العمل المصرية - الأردنية، وتضمّنت عدة بنود.

وتشدد ورقة العمل على تحديد معسكرات خاصة يسمح للفدائيين بالوجود فيها.. وأما عن العمل العسكري للمقاومة فيلفت التقرير إلى ضرورة التنسيق في هذا الشأن مع الجيش الأردني.

ويلفت التقرير إلى موافقة منظمة التحرير على غالبية البنود باستثناء البند الأول المتعلق بالتمثيل. لتتراجع المنظمة عن تصلب رأيها ويقبل رئيسها ياسر عرفات بالبنود الواردة في ورقة العمل.

ويشير التقرير إلى جولات التفاوض المكوكية بين الأردن والفلسطينيين، والهادفة إلى ضبط الوجود الفلسطيني في الأردن، وتحديد ميدان تحركه.. وكذا إلى غير ذلك من الأمور المرتبطة.

وتؤكد الوقائع في التقرير دور المعارضة الفلسطينية، الرافض لتقزيم اندفاع المقاومة والحد من نشاطها. ويبين التقرير كيف أن المناوشات السياسية بين الأردن والفلسطينيين تحولت إلى مناوشات مسلحة رافقتها عمليات قنص وقتل واغتيال وتفجير. وكان اغتيال رئيس وزراء الأردن وصفي التل، على أيدي مجموعة فلسطينية مسلحة، بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، كما يقول شريح، والتي أنهت المساعي الهادفة إلى تقريب وجهات النظر بين الطرفين.

 الكتاب: الوقائع السرية لمؤتمر جدة

تأليف: محمود شريح

الناشر: دار نلسن ــ السويد ــ لبنان ــ 2012

الصفحات: 110 صفحات

القطع: المتوسط