يبحث كتاب (المسكن في التراث الشعبي الشفاهي)، لمؤلفه محمد خالد رمضان، في دوافع الإنسان لإيجاد المسكن، وتاريخ تطوره وأنواعه، والمواد الداخلة في إشادته. ثم يتوقف عند شواهده وانعكاساته في الأغنية والأمثال الشعبيّة..
وكتاباته ومصطلحاته وتشابيهه وتناويحه الشعبيّة. ويعدد رمضان عقب كل فصل، أبرز الرواة لهذه الشواهد والأمثال. يُشير الكتاب إلى أن الإنسان بدأ البحث عن مأوى يقيه الحر والبرد وغائلات الطبيعة وشر الوحوش وأذى أخيه الإنسان، وأن البيت الذي نسكنه الآن هو نتيجة تطورات كثيرة، طرأت على المسكن الذي بدأ بظل شجرة كثيفة، ثم بظل صخرة مرتفعة، ثم بالكهوف الطبيعيّة فالصنعيّة، وصولاً إلى البيوت الطينيّة والحجريّة والإسمنتيّة والمعدنيّة. ولارتباط المسكن الوثيق بحاجات الإنسان الماديّة والروحيّة، دخل إلى جزئيات حياته وتراثه الشعبي.
ويشير المؤلف الى انه يعرف المسكن بأنه ما يسكن الإنسان إليه، ويأنس به. وهو سره، حيث تُقضى فيه حاجات لا تُقضى في مكان آخر، وهو يعني الهدوء اللازم له ليركن إلى نفسه، ويخلو إليها، وهو بالنسبة له مخزنه، ومأواه، وسلوته، ما جعله جزءاً من ضميره وذاكرته الجمعيّة، يتذكره ويحن إليه. ومن جانب آخر، يتبع سكن الإنسان الظروف الإنسانيّة والاجتماعيّة التي تحدد وضعه الطبقي والبيئي والحياتي، وارتبط بتطور بناء القرى والحصون والمدن، وأصبحت له أشكاله وطرزه المختلفة، فهو: الدار، البيت، العمارة، المنزل، القصر، النزل، العمرة، الديكونة، العليّة، الدوار، الدارة...
يرى رمضان أن الأغنية الشعبية هي سفير متجول في أنحاء البلاد العربيّة، وبحملها للمسكن تكون قد أوصلت صلته بالإنسان والحياة، ماضياً وحاضراً، إلى كل مكان تحل فيه، وشواهده فيها كثيرة ومتنوعة المعاني والدلالات، فهو: مكان هادئ.. تسمع فيه الحبيبة صوت حبيبها، مكان الأمن لأصحابه .. ببابه يتسامرون، وهو يتسع للجميع، ويجب إيجاده قبل الزواج. ويقدم رمضان نموذجا للادب الشفاهي والمسكن هنا:
يا أبجد هوز يا أبجد هوز
قوم عمّر بيتك بعدين تجوز
كما يشرح المؤلف عكس الادب الشفاهي لجملة قضايا بشأن المسكن: يجب أن يكون أساسه متينا:
هوّارة وأنا ساكن
وبيتي أساسو ماكن
ويستعرض رمضان الدور الذي لعبته الأمثال الشعبيّة التي تُعد خلاصة حكمة الشعوب وتجاربها من خلال حياتها المستمرة منذ آلاف السنين، مبينا أن المسكن يمثل هموم الإنسان الأساسيّة، حمله المثل الشعبي وعبّر عن أحواله بكلمات موجزة، ويشير الى كيفية توفير الإنسان له وايناسه اليه، وماذا يوجد فيه.
. وحكاياته وأسراره وخفاياه، وعلاقته مع ساكنيه ومع المساكن الأخرى. ومن الأمثال التي يعرضها رمضان في الخصوص: البيت الضيّق بيسع ألف صديّق، البيت اللي بتدخلو شمس وهوا ما بيدخلو لاطبيب ولا دوا، صاحب البيت أدرى باللي فيه، اللي بيطلع من دارو بيقل مقدارو، يا جاري أنت بدارك وأن بداري، اللي بيتو من قزاز لا يراشق الناس بالحصا، ألف عدو برا ولا عدو بالدار.
ويبين المؤلف، أنه، ومن جانب آخر، أخذت الكنايات المسكن بكل حالاته وظروفه الاجتماعيّة والبيئيّة والاقتصاديّة والعائليّة والمعماريّة والمناخيّة، وكيفيته وعلاقاته وتبدلاته ومجرياته ومطارحه وأمكنته وأزمنته وساعاته. ويتطرق المؤلف الى المسكن في التناويح الشعبيّة، ويوضح أنه يُشكّل المسكن في التنويحة الشعبيّة إحدى تجلياتها الأساسيّة...
ويكاد يكون في كثير منها، حاضراً ومؤثراً ومتماهياً بعذابات وأتراح وأفراح الإنسان الرئيسة. فالإنسان حين يموت أو يتغرب فإنه يفقد شيئاً عزيزاً عليه، وهو المسكن الذي كان يؤنس المفقود إذ يسكن إليه. أي يرتاح فيه.
المؤلف في سطور
محمد خالد رمضان. أديب سوري. من مواليد بلدة الزبداني عام 1938، كتب الشعر والقصة القصيرة والأبحاث التراثيّة الشعبيّة. صدرت له مجموعة كتب، منها: زغرودة، جمر السؤال-شعر، حكايات شعبيّة من الزبداني.
الكتاب: المسكن في التراث الشعبي الشفاهي
المؤلف: محمد خالد رمضان
الناشر: الهيئة العامة السوريّة للكتاب- دمشق-2012
الصفحات: :304 صفحات
القطع: المتوسط
