يضيء كتاب «المثقف العربي والتحول إلى الديمقراطية»، لمؤلفه شمس الدين الكيلاني، على الصور المختلفة التي اتخذتها مواقف المثقف الحديث والمعاصر، تجاه قضية الديموقراطية وتفرعاتها، بدءاً من المثقف النهضوي ووصولاً إلى صورته الراهنة، ذلك قبالة مشاهد تفكك نمط البناء الأوامري للدولة العربية بشكل عام، والسورية بشكل خاص، وكيفية استجابته لضرورات هذا التحول.

يبدأ المؤلف أبحاث كتابه مع عبد الرحمن الكواكبي والأفغاني ومحمد عبده، مبيناً أن هؤلاء واجهوا وضعية واحدة، عنوانها: تقدم أوروبا وتقهقر العرب المسلمين في العالم. فانطلقوا جميعاً من الاعتراف بواقع الانحطاط الداخلي والحاجة الماسة للبحث عن مخرج من هذا المأزق، لاستعادة السيطرة على المصير الذاتي، ولمواجهة مخاطر السيطرة الغربية على هذا المصير.

ويبين الكيلاني أنه لم يجد الثلاثة أي تعارض بين استلهام مفاهيم الحداثة الأوروبية وإيمانهم الإسلامي، واتفقوا على توصيف مظاهر الانحطاط العربي الإسلامي، الذي يتجلى عندهم بأقوى صوره: بالفرقة المذهبية، والجهل وسيادة الخرافات، والاستبداد والتكاسل عن العمل وروح الإنجاز، وغياب التنظيم والدستور وقيم العقل، والانحراف عن الدين القويم بتعطيل العقل والاجتهاد وتراكم الخرافات والبدع..

كما اتفقوا جميعاً على قواعد الإصلاح لرقي الأمّة : إصلاح الدين بالعودة إلى الاجتهاد، نبذ المذهبية، إصلاح العقل بالمدرسة حاضنة العلوم العصرية، إصلاح سياسي بالدولة الدستورية الشورية المعادلة للديموقراطية، إصلاح المجتمع بالتنوير والتهذيب والتربية وترسيخ قيم العمل والإنجاز والنظام المؤسسي، استعادة وحدة المسلمين على أسس جديدة.

ويوضح المؤلف أنه افتتح قاسم أمين بمؤلفه "تحرير المرأة" الصادر عام 1899، أول عاصفة من الجدل الثقافي في القرن العشرين، ولقب مؤلفه بنصير المرأة، ولعل مصدر استحقاقه هذا اللقب، هو كونه النهضوي الوحيد الذي كرس جهوده الفكرية لمناقشة مشكلاتها. فانحطاط المرأة المسلمة لا يعود إلى الإسلام كدين، بل بتأثير العوائد المستقلة عنه، فاتحاً الطريق لإعطاء شرعية لإصلاح يمسّ العوائد،..

وهو يدافع عن الحجاب، على أن يكون منطقياً مع الشرعية، مذكراً باتفاق الأئمة على استثناء الوجه والكفين. ويشير الكيلاني إلى أنه تجاذب الفكر العربي في القرن العشرين، خيارات ثقافية ثلاثة: التماهي مع أوروبا، والثاني حاول الجمع بين التراث والحداثة. والأخير حاول التجديد عبر الرجوع إلى الأصول. ومرت تلك التيارات بمراحل مختلفة..

وهذه المراحل لها رجالاتها ومفكروها الذين غدوا علامات على تطوير الفكر العربي. ومنهم: رشيد حنا، نجيب عازوري، طه حسين، ساطع الحصري، عبد الله العروي، ياسين الحافظ، محمد عابد الجابري، برهان غليون، إدوار سعيد.

كما يلفت المؤلف إلى أنه ترتبط مؤلفات جمال باروت، بدءاً من " يثرب الجديدة " ومرواً بـ " أطياف الحداثة "، بخطاب فكري واحد جامع، موضوعه الحداثة العربية، بكل تجلياتها. كما يشرح الكيلاني انه تمركزت أبحاث ماهر الشريف على العديد من المحاور، ولا سيما معاينته للإصلاح الديني ومآلاته، وللفكر التنويري والفكر القومي الماركسي.. ومن ثم التفت بعدها إلى أسئلة الحاضر والمستقبل، على ضوء تفحصه لما يسميه (الأزمة العامة للفكر العربي).

ويخلص المؤلف إلى أنه استطاعت الثقافة العربية تحقيق ما يمكن اعتباره ثقافة عربية واحدة، واستطاع المثقفون العرب إقامة جسور متشعبة وعميقة من ثقافات العالم، وأنجزوا كماً كبيراً وكثيفاً من التأليف يدعو إلى التبصر والتغيير والمشاركة كرأس في هذا العالم. فالخروج من الأزمة يقتضي تعميق هذا الإنجاز..

والانخراط في العالم عبر الثقة بالذات، ولا شيء يضعف ثقافتنا أكثر من الانكماش على الذات، ولكن علينا الانتقال من ثقافة الفتنة والتخاصم إلى رحابة ثقافة الحوار، وإعادة الاعتبار لمرجعية الجماعة والشعب، واتخاذ الديموقراطية منهجاً، والاعتراف بالآخر والإصغاء إليه.

المؤلف في سطور

 شمس الدين الكيلاني. كاتب وباحث سوري، نشر العديد من الدراسات والبحوث في مواضيع الثقافة العربية الإسلامية، صدر لـه مجموعة من المؤلفات، منها: رمزية القدس الروحية، الآخر في الثقافة العربية (الصين والهند)، الآخر في الثقافة العربية (صورة الشعوب السوداء)، النصوص العربية الكبرى في أوروبا.

 الكتاب: المثقف العربي والتحول إلى الديمقراطية

تأليف: شمس الدين الكيلاني

الناشر: دار السوسن- دمشق 2013

الصفحات: 184 صفحة

القطع: الكبير