يتناول كتاب "جماليات الفنون الشرقيّة وأثرها على نظيرتها الغربيّة"، لمؤلفته الدكتوره أمل نصر، البنية الفكريّة والجماليّة للفنون الشرقيّة وأثرها في الفن الغربي الحديث، متتبعاً البعد التاريخي في علاقة الشرق بالغرب ووسائل ومظاهر هذه العلاقة، بدءاً من طرق التجارة القديمة بينهما، وانتهاءً بالاحتكاك المباشر بين شعوبهما، عن طريق الفتوحات الإسلاميّة التي طاولت صقلية والأندلس، وفيما بعد، بوساطة الحروب الصليبيّة التي زادت من اهتمام الغرب بالشرق الأدنى الإسلامي، بعد أن كانت عملية التواصل مقتصرة على بعض رحلات الحج المحدودة من الغرب الأوروبي لزيارة بيت المقدس، أو بعض العلاقات التــجاريّة والمبادلات الدبلوماسيّة.
وترصد المؤلفة، في سياق بحثها عن بدايات الاستشراق في التصوير الغربي، البدايات الأولى لاهتمام الغرب بالتراث الفني الشرقي العائدة إلى ما قبل عصر النهضة، سواء عن طريق التجارة أو الحرب أو الاحتكاك الثقافي أو التمثيل الدبلوماسي، لكنها تفيد أن التأثيرات الخاصة بالفن التشكيلي، ظهرت بشكل واضح في بداية القرون الوسطى وعصر النهضة، مروراً بمرحلة الباروك..
ثم مرحلة الاستشراق، ومن ثم تلاها ظهور المدرسة الرومانسيّة، وكان ذلك على تخوم القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، إذ حدث انجذاب غربي شديد ناحية الشرق، الذي لم يكن قد دخله النظام الرأسمالي بعد، ولم تفسد العلاقات الماديّة البرجوازيّة الانسجام بين مسلماته الأخلاقيّة والجماليّة، خاصة وأن الشرق يتمتع بطبيعة جذابة، وتراث فني تاريخي متنوع.
تشير أمل، في موضوعات تناولها ونقاشها ضمن الكتاب، إلى إلى أن الفنان الفرنسي ديلاكروا (1798-1865)، شكّل مرحلة أساسيّة من الفن، في سريان الأثر الشرقي في الغرب، وتوجيه أجيال من الفنانين الذين أعقبوه، نحو عوالم الشرق، خاصة التأثيريينمنهم.
وفي تطرقها إلى موضوعة الرؤية الغربيّة للفنون الشرقيّة، تقف المؤلفة عند الرؤية الغربيّة للفنون الشرقيّة، متتبعة بدايات ظهور الشرق في الفكر الغربي، حيث شكّلت حضارات الشرق القديم أحد الأصول الهامة للتراث الغربي، كما تبين، نظراً لأن أوروبا هي الامتداد الغربي لآسيا: جغرافيّاً وتاريخيّاً وحضاريّاً. ثم يلفت الكتاب إلى الوعي الأوروبي الجديد بحضارات وفنون الشرق التي تتمتع بسمات مميزة، منها: اعتماد الخط في بناء العمل الفني، نقاء اللون، الانتقاء المتميز لشكل المسطح، ارتباط الصورة بالنص المكتوب.
وتستعرض أمل، في السياق الدراسي نفسه، النموذج الياباني، مدللة على جماليات الفن الياباني وأثرها في الفن الغربي الحديث، إذ إنه اكتشف الغرب اليابان في العام 1543، عندما سافر إليها الإيطالي بينتو بورتوجيزي. وبالتدريج، بدأت عملية اكتشاف الغرب للحضارة اليابانيّة، ومن ملامحها الرئيسة الفنون التشكيليّة، ومع ذلك تعرف الناقد ألفريد ستيفنس، على حقيقة أن اليابانيين هم التأثيريون الحقيقيون..
وهذا ما جعل من النموذج الياباني حالة ضروريّة لتطوير التأثيريّة الأوروبيّة التي كان ظهورها يمثل أهمية كبرى كحركة حيويّة جديدة، أوقفت حالة الجمود التي أصابت الفن الغربي في نهاية القرن التاسع عشر. وفي هذا الاطار، يحدد الكتاب أبرز الفنانين الغربيين الذين تأثروا بالفن الياباني، بينهم : كلود مونيه (1840-1926) الذي استلهم من هذا الفن التكوين العمودي في عمله الشهير (غداء على العشب).
ثم اكتشف الفنانون الأوروبيون المحفورات اليابانيّة المطبوعة، فتأثروا بها، الأمر الذي أتم عملية التغيير الكاملة للنظام الجديد في التكوين في أعمال التأثيريين، وكان للتقانات اليابانيّة دورها الرئيس في صياغة ذلك النظام، ما حوّل الفن الياباني إلى عنصر من عناصر الحداثة الأوروبيّة التي أخذت من الفن الياباني جماليات التكوين العمودي وعمقه..
وفسيفساء الوحدة الرباعية، واستخدام الشكل الظلي والتقطيع المفاجئ لعناصر العمل الفني، والتكوين المتعدد الأطر والوحدة الزخرفيّة كقيمة تعبيريّة. وتسوق أمل، الفنان النمساوي جوستاف كلمت (1862-1918)، مثالاً على المتأثرين بالجماليات الشرقيّة، خاصةً وأن هذا الفنان اعتبر تراث العالم بأكمله، ملكاً له.
المؤلفة في سطور
الدكتوره أمل نصر، فنانة تشكيليّة مصريّة. تعمل مدرسة في قسم التصوير ضمن كلية الفنون الجميلة في الاسكندرية. تحمل درجة الماجستير في التصوير، ودكتوراه فلسفة في الاختصاص ذانه. أقامت العديد من المعارض الفرديّة. ولديها مشاركات في المعارض العامة، الداخليّة والخارجيّة. وتكتب حول الفن التشكيلي، في عدة دوريات مصريّة وعربيّة.
الكتاب: جماليات الفنون الشرقيّة وأثرها على الفنون الغربيّة
تأليف: الدكتوره أمل نصر
الناشر: الهيئة العامة لقصور الثقافة- وزارة الثقافة- القاهرة- 2013
الصفحات: 244 صفحة
القطع: المتوسط
