يتعرض كتاب "الأخيضر والقصر البلوري.. نشوء النظرية الجدلية في العمارة"، لمؤلفه رفعت الجادرجي، إلى مسألتين مهمتين في المجال: كيفية تطور النواة الفكرية لنظرية جدلية العمارة، وصف للأبنية التي أنجزها المؤلف مع العديد من زملائه العاملين.
لا يعنى الكتاب في سرد تاريخ العمارة في العراق، ولا يسرد تاريخ ما أنجزه المؤلف في مسيرة حياته وعطاءاته ضمن المجال. ويبدو في طبيعة تناوله، كتابا لا ينحصر في مسألة معمارية معينة، وإنما يشمل مواضيع عديدة، ذات صلة أساسية بفن العمارة، من خلال ممارسة شخصية وعامة، على مدار أكثر من أربعين عاما"، تخللتها أحداث سياسية كبيرة في تأريخ العراق المعاصر، انعكست سلبيا" على الجادرجي، الذي عانى كثيرا جراء هذه الأحداث، خلال عمله، ووصلت الامور الى حد منعه من السفر واستدعائه للاستجواب والتحقيق.
وتتركز تجربة المؤلف، حسب ما يورده في هذا الكتاب، عبر أربعة عناصر: موقف المعمار الممتهن من الممارسة وظروفها الاجتماعية، موقف المجتمع من الممارس ومن الممارسة، الموضع التكنولوجي القائم في القطر لكل مرحلة وتطوره ومقدار ارتباطه بالتقدم الجاري في العالم الخارجي، المؤثرات الفكرية المحلية والدولية في مختلف الحقول الفنية المعمارية.
يتضمن الكتاب 26 فصلا، يتطرق كل منها، الى جوانب وتفاصيل تتعلق بظروف وتجارب المؤلف في عمله الفني الذي واجه الكثير من التعقيدات والمصاعب التي يتحدث عنها بالقول: "أخذت أبحث مع نفسي الأخطاء وعوامل الفشل وأسباب وقوعها، ثم صنفت كل ذلك فاستنبطت ثلاثة اسباب للأثباط: أولهما العجز في قدرتي التصميمية من ناحية الهيمنة على التكوين ككل، وثانيهما التنفيذ السيئ، إما بسبب سوء اختيار العمال الماهرين أو بسبب مجيء التصميم بتعقيد أكبر مما تقوى على تنفيذه القدرة المتوافرة، وثالثهما عدم قدرتي على مقاومة الطلبات المتواصلة التي تنهال عليّ من صاحب العمل في التغيير والتعديل، وبخاصة بعد بدء التنفيذ الفعلي وأثناء سير العمل ...".
يُعرّف المؤلف، من خلال وجهة نظره، مفهوم العمارة، باعتبارها جسما" ماديا"، وهذا الجسم بإمكانه استيلاد وتصنيع الإنتاج الاجتماعي الحقيقي للوجود، ويكون هذا الوجود ممثلا عبر أسلوب وتعامل المعني، فردا كان أم جماعة، مع مادة معينة، خصوصا وأن هذه المادة لا تنحصر بعنصرين متوافقين أو مختلفين، وإنما هي مادة ربما تكون جسما ماديا وحقيقيا، يتولد أو يتبلور من نتاج تفاعل جدلي بين عاملين: أولهما المطلب الاجتماعي، والآخر التكنولوجيا الاجتماعية.
ويبين الجادرجي، من خلال هذا التعريف، أنه وفي رؤيته لفن العمارة، يرفض اللجوء الى استخدام الأشكال التقليدية، من دون دراسة وتشريح مراميها التي تخدم الفنان أو المهندس في رؤيته وأغراضه من وراء هذا التصميم أو ذا، بيد أنه في الوقت نفسه، لا يتخلى عن جميع عناصرها لضرورات مهمة، حيث يقول في هذا الصدد:" حاولت ان ادرس العمارة التقليدية، لإنجاز تأليف من الأشكال التقليدية وربطها بالتقنية الحديثة لاستنباط، واستحداث عمارة جديدة تتلاءم مع البيئة. ومن هذا المنطلق فقد تمسكت ببعض العناصر التقليدية، مثل : الفناء والجدران والضوء المنعكس.
ونتبين في الكتاب، مجموعة تعاريف وتوضيحات، حيوية ومهمة، يستطيع القارئ معها، ولوج عوالم هذا الحقل الابداعي، بسلاسة وانسيابية. ومن ثم يتمكن من التعرف على فنونه ومدارسه وتأويلاته، بشكل واف.ٍ
المؤلف في سطور
رفعت الجادرجي. معماري ومنظر وفوتوغرافي عراقي. ولد في بغداد عام 1926. وهو أستاذ زائر في مدرسة الثقافة والفلسفة في جامعة هارفرد. مُنح عدة جوائز عالمية في فن العمارة، وفي مقدمها: جائزة الشيخ زايد للكتاب - 2007. لديه الكثير من المؤلفات في مجال فن العمارة والدراسات الانثروبولوجية.
الكتاب: الأخيضر والقصر البلوري.. نشوء النظرية الجدلية في العمارة
تأليف: رفعت الجادرجي
الناشر: دار المدى طبعة جديدة منقحة 2013
الصفحات: 496 صفحة
القطع: الكبير
