يضم كتاب "الثقافة والتنمية المستقلة في عصر العولمة"، لمؤلفه محمد سعيد طالب، ثلاث دراسات حول العلاقة بين: الثقافة والتخلف، ثقافة التبعية، الثقافة والتغيير والإصلاح. وعمد فيه إلى التركيز على أن التبعية والتخلف هما نتيجة لثقافة فقدت نبضها الإبداعي في عالم سريع التحول والتغيير، إنها تسابق الزمن والتاريخ..

ولكنها تزحف ببطء، فتتسع المسافة بينها وبين الثقافة الحديثة. فالتخلف التكويني لهذه الثقافة يترك في العقل فجوات في مفاهيم الزمان والمكان والعمل الاجتماعي والتاريخ. تتراكم فيها أكوام يعبّر بها بمقولات التلفيق والتوليف ليعيد صياغتها وتفسيرها وترتيبها لتتلاءم مع فكر الحداثة.

ويحاول طالب أن يحدد نقطة الانطلاق لبداية التخلف العربي. فتصورها في الغزو الصليبي للمنطقة العربية، وخلص إلى القول: "إنّ التخلف العربي يبدأ مع انهيار الإقطاعية العربية الإسلامية، وحليفتها الرأسمالية التجارية، ليحلّ محلها الإقطاعية العسكرية التي تعززت في الحروب الطويلة ضد الفرنجة، والتي استمرت ما يزيد على القرنيين (12 13م). ثم في مواجهة الغزو المغولي التتري، وخلال حقبة الاحتلال العثماني".

ويبين المؤلف أنه أجهضت هذه الإقطاعية النمو والتحول نحو الرأسمالية، وقضت على مظاهر التقدم والارتقاء الاقتصادي، والعمالة الحرفية المؤهلة والمدربة، وتجارة المسافات البعيدة، وساندت الثقافة السلفية، لتغلق الأبواب والنوافذ كيلا تدخل الثقافات الحديثة والقديمة، من أجل حماية عقيدة الأمة. وتتركز حول كيفية الحفاظ على الذات في حقبة تاريخية هددت وحدة الأمة والدولة والوجود.

ويشرح طالب أنه لعب تحكم السياسة بالاقتصاد دوراً مهماً، في عالم افتقدت فيه البرجوازية العربية الأفق الطموح لتحقيق إنجازات سياسية مرموقة.

يستعرض المؤلف أن ما قام به تيمورلنك في غزوة الشام، موضحاً أنه ذكر بعضاً منها ابن خلدون الذي كان في دمشق حينئذ: (فقد خرّب القلعة وطمس معالمها وصادر أهل البلد على قناطير من الأموال، ثم أطلق يد النهاية على بيوت أهل المدينة فاستوعبوا أثاثها وأقنعتها وأضرموا النار فيما بقي من نتاج سقط الأقمشة والحرف، فاتصلت النار بحيطان الدور القائمة حتى اتصلت بالمسجد الأعظم).

ويوضح طالب، في هذا الصدد، أنه في إطار هذه التبدلات الجذرية والتحولات الاقتصادية والسياسية، كانت الثقافة العربية الإسلامية تتحول من الإبداع إلى التقليد، ومن الفكر الحرّ والنظر إلى التقوقع..

فأصبحت هذه عقيدة جديدة التزم بها منتجو الفكر، لتقوم مقام تعميق المنهج والفكر وإنتاج نصوص إبداعية ملائمة لحاجات العصر والأمة. فأحرقت كتب المعتزلة والفلاسفة وكتب الفرق المخالفة ووضعت خارج العقيدة القويمة، وقضي على مدرسة "حران" الفلسفية، فبرزت السلفية.

وفي العموم، يحاول طالب إنشاء مفاهيم محدّدة عن التبعية في المجال الاقتصادي والثقافي والسياسي والتقني. ويقترح استراتيجيات للخروج من مأزق التبعية، ثم يبحث في الثقافة العربية المعاصرة، فيعتبر أن قصور الفكر العربي النهضوي الحديث عند إنتاج مفاهيم التبعية، كان السبب الرئيسي في تدهور أوضاعنا بعامة ودوراننا في حلقة مفرغة دون أفق مفتوح للخروج منها، وكان النتاج العجز والتهافت، وعلاقات الصراع بين التراث والحداثة.

 المؤلف في سطور

 محمد سعيد طالب، كاتب وباحث سوري، من مواليد قرية جباتا الزيت في الجولان المحتل عام 1963، مهتم بالقضايا السياسية والفكرية، ويحمل إجازة في الآداب من قسم التاريخ من جامعة دمشق، وهو عضو اتحاد الكتاب العرب، وصدر له كتب عديدة، منها: النظام العالمي الجديد والقضايا الراهنة، الثقافة المقهورة والثقافة الراهنة.

الكتاب: الثقافة والتنمية في عصر العولمة

تأليف: محمد سعيد طالب

الناشر: منشورات اتحاد الكتاب العرب - دمشق 2012

الصفحات: 209 صفحات

القطع: الكبير