يعد كتاب "الكتاب: زمن الزنازين.. على هامش السيرة الذاتية"، لمؤلفه سمير عبدالباقي، من بين كم غير قليل من الكتب التي تناولت تجربة السجن (السياسي). ويسجل المؤلف في كتابه، رحلته مع (السجون) والمعتقلات التي زج فيها، مبينا أن المرة الأولى كانت عام 1959م، ولمدة ثلاثين شهرا كاملة، بتهمة قلب نظام الحكم. ويسجل عبدالباقي في البداية ما يعبر عن حيرته، حتى يشعر القارئ أنه لن يقرأ سوى بضعة صفحات قليلة.. فإذ بالكتاب يصل إلى 475 صفحة من الحجم المتوسط.
ويقول: "(مع تصرف في العرض)، ماذا يمكن أن أصوره أكثر مما صوره الكتاب والشعراء غيري، من العرب والأجانب.. ومنذ الإغريق، والفراعين، وقبائل الهون، وأباطرة الصين، وخلفاء الترك والأكراد والعرب؟.. هل سأضيف إلى ما كتبه ديستوفسكي أو حتى ممن قابلتهم في المعتقل من أمثال: فخري لبيب، فتحي عبدالفتاح.. وغيرهما؟".
ويؤكد المؤلف، في مقولاته، أن السجن هو السجن، في كل زمان ومكان، والسجون بنيت قبل القصور، على مدى التاريخ، هنا وهناك. فلا فرق بين السجن الفاشي أو الرأسمالي أو الشيوعي..
وذاكرة الشعوب المسجلة في الروايات والأشعار والسير والمذكرات، رصدت كل ما يمكن أن يقال.. ومع ذلك، فهو يسرد كل تلك الصفحات. يتبع عبدالباقي منهجاً زمنياً مستقيماً، منذ اللحظات الأولى، حين قبض عليه للمرة الأولى.. حتى اللحظات الأخيرة.. لمدة 30 شهرا. وبدا الكاتب حريصا على السرد الحواري تفصيلا، مدرجاً ما دار بينه (وهو الشخصية المحورية) وبين غيره من الشخصيات، طوال تلك الفترة.. وطوال رحلته، منذ القبض عليه وإلى لحظة الإفراج عنه.
ويمكن تسجيل الدهشة على تلك التفاصيل التي تحمل كل تلك الحوارات والآراء والأفكار، والتي تتميز بخصوصية مفردات أصحابها.. فهناك :السجين، العادي اللص أو تاجر المخدرات.. وهناك السجين السياسي والحوارات السياسية.. وهناك الجنود والضباط، بلغتهم التي تتسم بالفظاظة والقسوة.
يتوقف عبدالباقي، في مواقع مختلفة، من أجل التأمل وتحليل اللحظة أو الموقف. فها هو الحارس حسن عطية فرت الدموع من عينيه، بينما يتظاهر بالقسوة مع عبدالباقي.. إذ حدث ذلك لحظة ترحيل المعتقل وتجريده من كل ما يملك في سترته، إلا أن الحارس ترك له علبة السجائر، وهو ما لاحظه الضابط وأمر بأخذها بالقوة، ثم هرسها بحذائه!
ويقول المؤلف في إحدى محطات سرده وتصويره في الكتاب:
"أوحت لي المشاعر التي بعثتها في روحي الابتسامة التي غمرتني بها زوجة المعلم (كرم)، مع إصرارها العنيد المناضل أن تسلمني بنفسها الطعام الشهي، فأعادت لي انسانيتي، وطردت عن نفسي كل وساوس الضعف الذي زرعته الإهانة التي لحقتني". ولا يخلو العرض والتناول، في الكتاب، من تحليل فكري تأملي، اذ يتناول عبدالباقي تجربة السجن: "وأنت في السجن، لا تدري ماذا سيحدث غدا؟ هل ستستطيع الاحتمال والاستمرار، خاصة إذا ما هاجمتك رياح اليأس، أو عصرت قلبك الإهانة من حارس صغير أو ضابط كبير؟ تجربة لا يمكن التنبؤ بنتائجها، أو برد فعلك حيالها...".
يفوق عدد الشخصيات في الكتاب، المئة، وكل منها لها قصة، وتتسم بالخصوصية الذاتية، التي ربما يرجعها المؤلف إلى عدد من الملامح.. كما أن الشخصيات ليست كلها مثقفة، فهناك الشخصيات الإجرامية وفي المقابل، تلك الشخصيات التي تبدو وكأنها وجدت بالخطأ في السجون.. ثم هناك شخصيات السجان، سواء كان جندياً أو ضابطاً، وهي وإن بدت في غالبية الأحوال فظة، إلا أن هناك ما يشي، ربما، برقة القلب والشفقة.
المؤلف في سطور
سمير عبدالباقي. كاتب مصري. من مواليد محافظة البحيرة 1948م. وهو خريج كلية الزراعة- جامعة عين شمس. لديه نشاطات إبداعية وثقافية متنوعة. لديه مجموعة روايات، منها: هكذا تكلمت الأحجار.
الكتاب: زمن الزنازين.. على هامش السيرة الذاتية
تأليف: سمير عبدالباقي
الناشر: مكتبة جريرة الورد- القاهرة 2013
الصفحات: 475 صفحة
القطع: المتوسط
