تبدأ رواية «خماسية الأحياء والأموات»، لمؤلفها هنرييت عبودي، بإفلاس بهاء صافي، ففي الخامسة والثلاثين من عمره، لا يزال عازباً وعاطلاً عن العمل، يومها اقترح عليه حليم الإقامة في دار نسيبته المسنة، وهي سيدة ثرية، مقابل النوم والطعام عندها، فوافق على الفور.
والعجوز تثرثر بلا انقطاع، لا تكف عن استذكار أحداث ماضيها وعن استحضار الشخوص الذين عبروا حياتها، فحديثها يبدأ بـ «حصل ذلك في مطلع القرن» أو "التقيت بذاك الشاب بعيد الحرب العالمية الأولى". ثم تُقدّم وصفاً دقيقاً لدار أهلها، وتعريفاً مسهباً بأبرز أفراد أسرتها، وتفصيلاً لقصص حبّ قضى أبطالها نخبهم في ظروف مأساوية، وعرضاً مفصّلاً لوقائع تعود إلى عهد نوح ولفواجع قوضت دعائم بيوت وأسر.
نطالع في الرواية، حكايات خمسة شخوص يديرون العمل الروائي، وها هم الآن: نجلاء صبري، تعترف بخيانة زوجها لها بعد عام واحد على زواجهما، وهي في حالة القطيعة مع مازن وأمها تقول لها : " خانك ؟ ما هذه المصيبة ! لو طالبت النساء بالطلاق كلما خانهن أزواجهن، لما بقيت امرأة واحدة متزوجة على وجه الأرض!".
شاع نبأ انفصالهما، واتسعت دائرته حتى شملت مكان عملها، والنساء ينظرن إليها بالتعاطف، باعتبارها "ضحية " والرجال بإغواء باعتبارها بلا زوج.
وبقي مازن ونجلاء أصدقاء بعد انفصالهما، فيدعوها إلى العشاء، وتستجيب له، ولكنها تظل على موقفها منه، وتتصرف معه كعشيقة، فهي مشوشة التفكير، وعليها أن تعيد النظر في مواقفها وآرائها، ورغم الشهادات العليا.. تبقى بحاجة إلى طفل.
وهناك عفيفة التي تزوجت وذهبت إلى أميركا، وطلقت، وعادت إلى وطنها، أو إلى عشيقها فحملت منه.. لفقت حكايات حول إقامتها في نيويورك، فتحوّلت إلى بطلة مغامرات عاطفية، جديرة بأن توضع في سجل أشهر العاشقات اللاتي عرفهن التاريخ. فعمدت إلى الانتحار كي تضع حدّاً لأيامها البائسة.
قصص وحكايات على طريقة "ألف ليلة وليلة"، ندخل في حكاية لنخرج إلى أخرى، فهذا مجيد الذي تُوفيّ وهو يرقص عندما أطلق سراح جميل غانم في عهد العثمانيين، فطلبت أمّه من الحاضرين أن يستمر الحفل، إذ افتدى مجيد والده. وخليل المتزوّج يحبّ المرأة العجوز، منذ كانت في السابعة عشرة من عمرها، وكادا يهربان إلى مصر، لولا ذكية وهو اسم زوجته، فقد أحبطت مشروعهما.
وكذلك نقرأ حكاية مريانا حداد، التي أضافت على جوّ الحكايات بهجة وألقاً، إذ كانت جميلة وخارقة إلى حدّ تخجل العين من استراق النظر إليها.
كما أن غدير صالح، رسامّة، وبالأمس وضعت اللمسة الأخيرة على لوحتها، وذيلتها بتوقيعها، واليوم تواجه امرأة اللوحة في الشارع: "أسرت نفسي شهوراً بأكملها في مرسمي، أضع لمسة فرشاة من هنا، أعدل خطأ هناك، ألعب بالألوان، أعيد ما كنت قد انتهيت إليه، إلى أن بلغت غايتي، وها أني أراها اليوم في الشارع، كادت أنفاسي تتقطع عندما رأيتها تتقدم نحوي، وفي عينيها تلك النظرة التي جهدت وكددت كيما أصنعها".
وهناك نقرأ في الرواية عن مجموعة من الصور القديمة عند امرأة عجوز، تريد أن يراها أحد قبل موتها، وحين يحضر بهاء تريه إياها، والصورة تجرّ الأخرى، حتى يكتمل الموضوع. فالكاتبة تكون بهذا قد ملأت الرتوش بوصف البيوت، والثياب وطقس العادات والتقاليد، أيام الأفراح والأحزان، لتكتمل الصورة، ويكتمل المشهد بخماسية الأحياء والأموات، فالأموات هم الصور، والأحياء هم هؤلاء الذين يزينون المشهد بجمالية يصعب أن يدركها أحد، إلا هنرييت عبودي.
المؤلف في سطور
هنرييت عبودي، كاتبة وروائية سورية من مواليد حلب، كتبت من قبل رواية "الظهر العاري".
الكتاب: خماسية الأحياء والأموات
تأليف: هنرييت عبودي
الناشر: دار المدى للثقافة والنشر دمشق 2013
الصفحات: 240 صفحة
القطع: المتوسط
